السبت، 10 يناير 2026

قبضة تــــــــــــــــــــــــراب: قصةٌ قصـــــــيرةٌ لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

 


كانت زرقة السماء مشوبة بنورٍ فضي شفاف . وثمة عصافير تتشاجر في دغلٍ مهجور . كان الطريقُ إلى المدرسة ترابياً ، متعرجاً ، بين مستنقعات آسنةٍ ، من بقايا المطر ، وأكوام أنقاض .

حملت الريحُ غناء بلبلٍ حزين . وبدا المرتفعُ بعيداً وقاسياً . وكأن الهضبة التي صعدها ركضاً استحالت إلى جبلٍ شاهق . رمق الحاجُ فاضل سورَ المدرسة المرتفع ، وأسلاكه الشائكة الصدئة .

سعلَ وتأوه ، وجلسَ على التراب ، ورمقَ الخضرةَ البعيدة الكالحة والمتوارية ، والسماء العميقة الزرقة ، بدت بيوتُ القريةِ المتراصة كمعسكر للاجئين .

اقتربت يدهُ من التراب ، تغلغلت أصابعهُ في مسامهِ . كان بارداً وناعماً وحنوناً .

توكأ على غصنٍ صلبٍ ونهض مرةً أخرى .

دخلَ المدرسة الهادئة ، كانت الجدران القديمة مليئة برسومٍ لم يرها من قبل ، وكانت التلميذاتُ محتشدات في الصفوف الصغيرة .

قادته الفراشة إلى مكتب المديرة . جلس على كرسي خارج الغرفة ، وهي بجانبه . سمع صوت آلة موسيقية في نهاية الممر ، ضجت التلميذاتُ بغناءٍ غريب . شعرَ برجفةٍ .

أدخلتهُ الفراشةُ على المديرة . أبصرَ ، في الغرفةِ المضيئةِ ، امرأة شابة ، كانت منحنية فوق ورقة كبيرة ، وتضعُ إشارات بقلم . كانت حاسرة الرأس ، جميلة الوجه .

تنحنح والقى التحية ، لم ترفع رأسها ، وسألت :

- ماذا تريد ؟

كان السؤالُ حاداً ومباغتاً .

لم يجبها . تطلعَ إلى الغرفة المليئة بالكؤوس والخرائط والصور والكتب وبعض الآلات الموسيقية .

سألت وهي ترفعُ رأسها :

- ماذا تريد ؟

ثم استدركتْ :

- تفضل ، تفضل !

واصلت وضعَ الخطوط فوق الورقة ، وبدا كأنها تنتظرُ طلبَ العجوز بإلحاح شديد .

- هل ثمة مشكلة ؟

- إذا كنتِ مشغولةً يمكنني أن أحضرَ مرةً أخرى ؟

قالها العجوزُ بهدوءٍ شديد أوقف صرير القلم . وكان يعلمُ إنه لا يستطيع أن يصعد الهضبة ثانية .

- ماذا لديك ؟ قل إنني أصغي إليك ؟ هل لديك بنات هنا ؟ هل عملت أحداهن مشكلة ؟

كان معها مخططٌ للمسرح الذي تعتزمُ إقامته . رغم إنسحاب تلميذات كثيرات ومدرسات ، إلا أنها أصرت على الاستمرار . والآن هذا العجوز أيضاً !

- إذا كنتِ مشغولة يمكنني أن . . أحضر مرة أخرى ؟

ابعدت المخطط باستياء . . وعقدت ذراعيها فوق صدرها . وقال بخفوت :

- إنني . . أصغي . . إليك !

- أنت المديرة الجديدة . . أليس كذلك ؟

- ماذا تريد ؟ ! ترى إنني مشغولة !

سعل بشدة وبدا كأن صدره يتمزق .

قال :

- ثمة ضجة ما في القرية . كنتُ في مجلس الحاج عمران وتحدثنا طويلاً عن المدرسة . كان هناك العديدُ من الشبان الغاضبين ، على هذا الغناء المتصاعد في المدرسة . . وهذه الآلات . كانوا يريدون الاندفاع إلى الصفوف وتحطيم كلَ شيءٍ . .

وراح يسعلُ ثانية . تطلعت إليه برعب ، وغضب ، ووضعت أصابعها على الهاتف . ماذا يجري هنا ؟ جاءت بحبٍ ، وعملت إلى المساء . تمضي إلى بيتها واهنة . وأبوها يتطلعُ إليها باستياء . مرة تأخرت حتى الليل ، فجاءتها حصاة !

يقول :

- لم أدعهم يصرخون . جئتُ إلى هنا . منذ سنوات طويلة لم أصعد إلى الهضبة . كنتُ اندفعُ فوقها وأنا شاب . . أركبُ الحمارَ . . ونجري معاً . . والحصى يتطايرُ . . تحتنا . . لم تكن الهضبة هكذا . . صارت جرداء . . جرداء . . ليس ثمة سوى . . الأدغال المهجورة . . والقططُ الشرسة . . كانت هذه الأرضُ . . أيتها المديرة . . خضراء . . مليئة بالأشجار والينابيع . .

الآن . . كل البساتين . . التي كانت . . غدت أرضاً . . قاحلة . . لم يبق سوى بضع بساتين صارت فللاً يسكنها غرباءُ . . لو كنتِ . . تقفين فوق . . سطح المدرسة . . لرأيتِ القرية . . بيوتاً كثيرة متزاحمة . . وتلك البساتين القليلة تحوطها من الشرق . . إلى الغرب . .

كان يتحدثُ بصوتٍ متقطع ، عميق ، وكانت يدهُ التي يضعها برفق ، على المكتب ، تبدو صلبة معروقة ، كأنها أرضٌ محروثة .

ولأولِ مرة يجعلها صوتهُ تسترخي . . ويفلتُ القلمُ من أصابعها ، وتفكرُ لماذا يتكلم هكذا ويجيء إليّ وهو يكادُ يحتضرُ ؟ !

أحستْ الآن بقوةِ المكان . ليستْ هي في مدينتها الجامعية ، ولا في رحلة . وغريبٌ إنها لم تذهب أبداً إلى القرية ، ولم تصعدْ إلى سطح المدرسة ، حيث تجلسُ بضعُ مدرسات في غرفتهن .

لامس ظهرها جلدَ الكرسي . وأصغت باهتمام إلى ما يقوله العجوزُ :

- كنتُ هنا . . قبلك . . لدي كوخٌ . . لتحفيظ القرآن . . وكم ألهبتُ الأيدي . . والأرجلَ بعصاي . . اللاسعة ! وكم هاجمتُ . . الرجالَ . . والنساءَ . . بسياط كلماتي ! . . ثم سافرتُ . . إلى الدنيا . . ورأيتُ . . وشربتُ . . وغنيتُ . . وقامرت . . وتبتُ . .   وتزهدتُ . . وحاربتُ . . ورأيتُ أكداساً من البشر يُلقَــَون في الحفر . . وجئتُ . . ورحلت . . وتزوجتُ ثلاثَ مرات . . ونصف القرية أولادي . . وأحفادي . . كانت هذه البرية . . الجرداء . . كلها حدائق لنا . . والآن . . لا مكان . .يأويني . . غير مجلسٍ . . ممتلئ بالرجال . . دائماً . .

 توقف قليلاً . بدت المديرة تحسُ بالألم والقلق . عندما عـُينت في القرية ، أصابتها بهجة شديدة ، واندفعتْ بسيارتها عبر الشوارع المزدحمة والبساتين ، وصاحت : سأكونُ شعلة من الضوء والعلم ! والآن هذا الرجلُ الأشيب وكلماته المتجرجرة كأنها رصاصات توجه إلى حلمها . كيف ابدأ من قبل الصفر ؟

رمقها العجوزُ لحظة ، وواصل حديثه :

- البارحة . . هتف الشباب . . وصرخوا . . أرادوا . . أن يحملوا . . النارَ لحرق المدرسة ! . . هدأتهم . . في الليل . . لا نستطيع . . أن ننام . . موسيقى الغرباء . . تضجُ في . . الظلام والصمت . . البارحة . . بعد أن خرجتُ . .   من مجلس الحاج . . عمران . . سرتُ نحو بستاني القديم . آه أتذكر هذا . . المكانَ . . هذه أرضي وأرض أبي . . طالما حرثتُ وحفرتُ وسقيتُ . .    وتسلقتُ الأشجارَ . . في تلك البقعة . . التي صارت . . بركة . . الآن . . سقطت أمي . . نزل أبي من فوق النخلة . . على أثر صراخنا . . كنا وأخوتي . . نلهو في الجدول . . وإذا أمي تسقط . . وهي تحملُ . . صرةَ الأكل . . حملها أبي . . إلى الكوخ . . حيث ماتت هناك . . على أرض الكوخ كانوا . . يرقصون . . وكانت تنطلقُ . .  موسيقى زاعقة . . عنيفة . .  منذ زمنٍ بعيد . . حاولتُ أن . . أجمعَ . . نقوداً . . لشراءِ . . هذه الأرض . . ولكني . . لم . . أستطع . . سا. . فرتُ . . تغر. . بتُ لك . . ني . . كنتُ . . أودُ . . أن تكون . . هذه . . القريية . . جنة . .عملتهم . . حفظتتهم . . القرآن . . ولكن كأن . . شيئاً . . لم يكن . . هذا . . البستان . كان ملك . . أبي . . وعند .. ما . . طردوه ه ه ! تعلمتُ . . كلَ شيءٍ . . من أجل . . أن . . أجمعَ ثمنه . . ولكن . . ها هو . . العمرُ . . يمضي . . وليس . . لي . . مكان . . أنامُ . . فيه !

صمتَ برهة . . وجدتــَها طويلة . . إنه هادئ في حزنه ، ولكن عينيه الصغيرتين المحاطتين بأخاديد وظلماتٍ تتألقُ فيهما شرارة من فرح غامض .

تطلعتُ إلى العجوز مباشرة ، ورأتهُ يحدقُ فيها بودٍ غريب ، وسمعته يدندن .

كان يتذكر حينئذٍ مجلسه في ذلك الكازينو ، والمغني يصدح ، وكان الجبلُ شاهقاً ، والمدينة تحته مليئة بالأضواء ، وكأنها درٌ منثور . رفع الكأسَ في صحة الجبل والغيم والغناء الشجي ، وصفق وغنى ونزل ، والضبابُ يشعشعُ في الفجر البهي .

كأنه قال شيئاً ولم تسمعه ، وخاطب امرأة مبهمة . نهض ، حياها بخفوت ، ورأت اليد الأخرى قابضة على شيءٍ ما . سار في الممر ببطءٍ . كانت الفسحةُ قد بدأت ، وجسدُ المدرسة الحي يضجُ بالضحك والصراخ . أحاطت به ثلة من الصغيرات . رأت ، من النافذة ، كأن قبضته تسترخي فجأة ،  وتتساقطُ غيمة ، أو حفنة من تراب .

ـــــــــــــــــــ

4 - سهرة «قصص»، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1994.

❖ «القصص: السفر - سهرة - قبضة تراب - الطوفان  - الأضواء - ليلة رأس السنة - خميس - هذا الجسد لك - هذا الجسد لي - أنا وأمي - الرمل والحجر».


العناوين المميّزة

رواية الينابيع لــ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

كأن الليلَ صار فتى وامرأةً ضوئيةً ترقصُ في جرارِ الخمرِ، والسفنُ تجلبُ قمحاً وفرحاً، والبلدةُ الرفيعةُ فوق التلةِ، تصحو على صوتِ الدفوفِ وال...