الأحد، 7 سبتمبر 2025

تحقيــــقٌ ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة

  سارتْ المحققةُ في الممرِ الطويل المعتم ، كان ثمة مصابيح صغيرة تومضُ لسيرِ الأقدام ، الصمتُ الرهيبُ يغلفُ المكانَ ، رسوماتٌ لوجوهِ رجالٍ ذوي أزياء خاصةٍ غريبةٍ تتطلعُ في الممرِ وتحدقُ في كلِ الاتجاهات.

إنفتحَ ممرٌ آخر أقلُّ طولاً وأضيق ، الجداران يقتربان من الكتفين السائرين بهدوء ، والوجوهُ تحدقُ مباشرةً في العينين.

إنفتح بابٌ آخر وكان ثمة حارسةٌ مسلحةٌ تقفُ عند باب.

كانت فتاة جميلة منبطحة على السرير . حالما دخلتْ المحققةُ إعتدلتْ قليلاً وطوتْ ساقيها ، وإرتفعتْ قامتُها.

- مرةً أخرى أريدُ حقيقةَ هذا الطفل الذي في بطنك؟

- ليس لدي جواب آخر ، إنه من الروح ، من إله.

- جوابٌ خطيرٌ وغيرُ مقنع يُعرضكِ لعقابٍ أشد فيما لو كان الطفلُ ابنَ زنى.

العتمةُ تنقشعُ قليلاً في الزنزانة ، السريرُ يصيرُ مسرحاً ، الفتاةُ بين حشدٍ من العاملاتِ في المشغل ، سجاجيدٌ ملونةٌ ناقصةٌ بين أيديهن ، عليها رسوماتٌ لوجوهٍ نضرةٍ ملائكيةٍ تكتملُ عبر أصابعهن الرقيقة الذائبة بين الخيوط والدموع.

الأجسادُ نحيفةٌ ، يغطيها سوادٌ محكم ، الأحجبةُ تسحبُ الشَعرَ للداخل ، الدموعُ الكثيفةُ تصيرُ خيوطَ ضوءٍ رهيفةٍ تنزلُ على السجاجيد ، تتحركُ الوجوهُ المنسوجةُ من ألوانٍ وأنوارٍ وتعانقُ الشابات في ضبابٍ من الحلم.

تقتربُ الفتاةُ من قضبانِ المحكمة:

- لم أرَ رجلاً منذ أن عشتُ في المشغل ، كلهن نساء ، جُلبتُ من أغوارٍ بعيدةٍ وحُبست هنا ، لم أقرأ القصصَ الرديئة ، لم أشاهد أفلاماً أو عروضاً ، في الحجرةِ الصغيرةِ مع زميلاتي عشتُ معهن ، نعملُ نطبخُ نحكي ننام . كيف إذن أحملُ من رجل؟

الفتياتُ منحنياتٌ يشتغلن بهدوءٍ وصبر . النورُ الكثيفُ في الخارج يخفت . تنسدلُ الأستار ، تعمُّ الظلمةُ ، يجثمن على أسرتهن ، تُضاءُ أنوارٌ خافتةٌ سرية ، تظهرُ الفتياتُ بفساتين آخاذة ، تتنشر موسيقى جميلة ، يرقصن مع أشباح في قاعة وهمية واسعة ، تتفجر ضحكاتهن.

الفتاة وحدها على السرير الخشبي بين يدها كتاب.

تقول للمحققة:

- يشفُّ نظري فأرى الأرواحَ تطيرُ للسماء ، جميلة مشعة ، مثل القناديل والنجوم ، تحفُ بها الملائكة . ثمة روح لشابٍ جميل ، (خذيني أيتها البهية ، تعالْ يا ملاكي) ، ينزل ، يحضنني . يقول الشيخُ الرئيسُ في مناجاتهِ إن الآفاقَ إنفتحتْ له ، ورأى ما لا يُرى ، أشياء خلابة . لا أذنٌ سمعتْ ولا عينٌ رأت . في الصباح وجدتُ نفسي على السجادة المصنوعة المكتملة!

بابُ المهجعِ يُفتح ، تُنارُ الأضواء ، رئيسةُ المشغلِ تمرُ على الأسرَّة ، ثم تقفْ مبهورةً عند الفتاة الحامل النائمة على السجادة المذهلة الجمال.

تصعدُ المحققةُ للسطحِ الواسعِ للقلعة ، المدينةُ كلها بيوتٌ هاجعة ، المدافعُ القديمةُ صدئة ، وسراديبُ العذابِ والمراقبة كلها إمتلأت بالتراب والغبار ، تتطلعُ في كلِ حَجرٍ:

- ليس ثمة ثغرة ، كل شيء محكم ، من أين جاءَ الرجلُ إذن؟

تجثمُ أمام الشاشاتِ الصغيرةِ المتعددة ، تشاهدُ صورَ العاملاتِ وهن ينسجنَّ ، السجاجيدُ جامدةٌ ، والخيوطُ صعبةٌ ، والظهورُ محنيةٌ ، شاشاتٌ أخرى تُظهرُ العاملات وهن يغتسلن ، أجسادهنَّ نحيفةٌ نحيفةٌ ومخيفةٌ ، شاشات أخرى وهن يتحدثن بهمسٍ يَكادُ لا يُسمع ثم ينقطع الصوت ، تنحني المحققة ، تُشغلُ أجهزةً أخرى ، لكن حركات الشفاهِ مبتورة.

يُلقي الباصُ المحققةَ في الزقاق ، تحملُ بضعةَ أكياسٍ صغيرة ، تتعرجُ خطواتُها في رحمِ الزقاق ، نساءٌ كهلات على أبواب البيوت مثل الغسيل العتيق المنشور . تفتحُ البابَ ، الشقةُ خاليةٌ ، تشتغلُ في المطبخ وهي تفكرُ بالفتاة الجميلة.

كم أجهضتْ هي وبكتْ من أجلِ طفلٍ ، طفل ، طفل واحد لا أكثر ، تكاد تحترقُ وهي ترى الصغارَ ، ليس ثمة أحلامٌ تأتيها ، لا أرواحَ تناجيها ، ظلامٌ دامسٌ يملأُ نومَها ، جسمُ زوجِها يصيرُ جثةً ، تستعيرُ الكتبَ والقراطيسَ التي تقرأُهَا الفتاة ، تسهرُ على السطورِ ، ربما ، ربما تعطفُ عليها روحٌ ما.

أخذوا الطفلَ الجميلَ الذي خرجَ من بطنِ الفتاةِ الجميلة ، وهي في دمِها ودموعِها تصرخ ، وتمتدُ أيديها في إتجاهٍ واحد ، لكن كتلةَ اللحمِ الشفافةِ الضاجة بالبكاء تختفي.

تحلمُ المحققةُ بإستعارته أو خطفه ، تضجُ ضارعةً:

- أعترفي باسم الأب.

إنها كتلةٌ من الحطبِ والعروق ، لكن من أصابعِها تنسلُ السجاجيدُ التي تعجبُ المصلين والزوار والمشترين والسياح والسادة . مديرُ المشغلِ مسرورٌ من عملها.

تقول لها:

- سوف تُرجمين.

في كابوسِها اليومي رأتْ المحققةُ أسرةَ الأطفالِ غابةً من الرقةِ والفراشاتِ والأيدي المحتجةِ على الغياب ، لا تريدُ سوى واحدٍ منهم ، واحد فقط.

كلُ القلعةِ محصنة ، كلُ الأجهزةِ تشتغلُ ، كلُ العاملاتِ والحارساتِ إناث ، إذن كيف حملتْ الفتاة؟

فكرتْ : ربما تأتي الحيواناتُ المنويةُ من بين التفاح والخيوط والإبر ، تتوجه الشاشاتُ للأكياس ، تُعري الأجسادَ ، تدخلُ الثقوبَ ، تتحسُ الأثداءَ ، تتلمسُ الصفحات صفحةً صفحة.

ثمة أشياءٌ غريبةٌ في هذه الصورِ والوجوهِ والسورِ ، ثمة كلماتُ حبٍ تتسرب ، الوجوهُ الذكوريةُ الراقدةُ تبقى في الورق ، ثمة أصابع عاشقين مقطوعة.  

هناك اللقاء الذي جرى . ذلك الحدث الوحيد الغريب . العاملات أُخذن في باصٍ كبيرٍ مُراقب . حينئذٍ تَعطفَ الرئيسُ عليهن بعظة.

ليس بإمكانها أن ترى التسجيلات هناك . العاملاتُ يعطين إجابات وامضة.

- ماذا جرى في اللقاء مع الرئيس؟

الفتاةُ ترفعُ رأسَها بدهشة.

- قلت لكِ . الشيخ الرئيس كانت كتبهُ في البدء غامضة . كانت مناجاتهُ بعيدة . حتى إنهلتْ عليه الأرواحُ من سماءِ الحب ، راحتْ ترفرفُ حوله ، صعدتُ إليه ، أخذني بين ذراعيه ، كان السريرُ بحجمِ السماء الأزلية.

- أتحدث عن الخطبة . .

- إنقطعت الأنوارُ الصناعية لحظات ، وإنفجر صراخٌ ، ونزلتْ الأنوارُ العلوية ، وخطبني من الروح القدسية ومضينا في الممرات . . لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعت.

تتقدم المحققة من المنصة:

- أطلبُ من عدالةِ المحكمةِ تسليمي الأشرطة المسجلة لوقائع الحفلة . ثمة فراغٌ وإنقطاعٌ في تسجيل التلفزيون ، كما أطلبُ عينةً من دمِ الرئيس.

- ليست حفلة!

- ما هذا؟

- عن أي رئيس تتكلمين؟

وجوهُ الفتياتِ تتلألأ ، لبسنَّ الفساتينَ الملونة ، إنفجرتْ الموسيقى من ينابيع شتى في الحَجر والشجر ، رأت الخدودَ والعيون تغدو فاكهةً ، نزلَ الرئيسُ وضباطُهُ وفقهاؤهُ إلى القاعة ، إحتضنوا الباقات ، ودارت القامات ، ونزلتْ الأرواحُ بأقنعتها ، وإنفجرتْ الزجاجاتُ بروائحِها وشياطينها.

تحدق المرأة في الفيلم برهبة.

تمضي إلى البيت.

تنام قرب زوجها.

المحققةُ تنتفضُ على سريرِها ، والرجلُ يطبقُ على عنقِها ، يخنقها ، تعضُ أصابعَهُ ، تخمشُ وجهه ، تلتقطُ الهواءَ ، والجسمُ الغريبُ يهربُ من الباب المكسور ، وزوجها ميت.

2010

______________________________

9 – أنطولوجيا الحمير «قصص»، 2017.

«القصص: انطولوجيا الحمير– عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوة الأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان –الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».










المقالات العامة

العناوين المميّزة

مرحبًا أيها العالم! سيرة الملعون

  قوة الكلمة لا تأتي قوة الكلمة من شقشقة اللغة، والتلاعب بالألفاظ، وترفيع المؤدلجين الكذابين، وتغييب الكتاب الحقيقيين، بل من التعبير عن المع...