☷ 1☷
وضع الحصير في الحوش. جلب عوده وجلس. برودة الليل الربيعية تتسرب إلى نفسه. ينتعشُ ويرتعش ويعزف. يقول الوترُ: لتكن ليلة مباركة! تئن الأوتارُ بين قلبه ويده، وهي تتذكرُ الدروب المعتمة، والحَمَام الذي لا شكل له، وروائح المرأة غير المرئية، وضجيج البحر..
منذ أن ألقي في العالم وهو يتلمس الأشياء، يحبو في الحوش، ويفتح الباب ويمشي في الحي، ممسكاً الجدران، ويروحُ يتلمس البيوت، كلُ الأبواب والجدران متشابهة، خط طويلٌ من المنازل، وكأنها صف من العساكر المشدودي الأجساد، لكنه يلمس الفروق بينها، ويدرك إنه وصل إلى بيت البائعة حصة، أو تجاوز بيت علي الناطور..
يسمع خطوات أمه تقترب، تقول:
ـــ ألا تريد شيئاً؟
ــــ كلا.
ــــ هل ستخرج الليلة؟
ــــ نعم. قال فضل إنني سأغني في حفلة كبيرة.
ــــ لا تشرب الخمر! لا تغني لهم كثيراً، عندما تأتي في كل فجر يكون صوتك مشلولاً، لا أريد أن أفقد صوتك أيضاً..
ــــ انت تعرفين إنني لا أشرب ولا أدخن..
ــــ لا تستطيع أن تنظف غرفتك تماماً، هناك دائماً علبٌ في الزوايا.. يا للروائح الفظيعة، كيف تطيقون هذه الأشياء!
أمه مسكونة بالمخاوف والقلق، كثيراً ما سمعها تتكلم لوحدها ساعات طويلة. حين يباغتها تدعي إن إحدى الجارات كانت معها، لديها مراسلاتها الدائمة مع أزواجها السابقين، كان أفضلهم هلال الذي يظل صامتاً دائماً، وينهض منذ الصباح ليقفز إلى اللوري، ويأتي في المساء في سحابة من الأسمنت، ويسمعه وهو يغتسل ويزيل الأوساخ. دون أن يدندن، أو يتأوه بموال بحري ما، ويشم رائحة دخانه النفاذة، وفي الأحوال النادرة التي ينطق فيها يسمعه يتكلم عن "العبيد" عن سلاسل غامضة من البشر، جاءت من أفريقيا ونشرت الرقص والغناء. وفي إحدى الصباحات لم ينهض هلال من رقدته، ظلّ على سريره، وحين صرخت أمه، وتحسس جسده، ذهل من قامته الشامخة، وعضلاته القوية المنتشرة في كل مكان، وأستغرب كيف يمكن لهذا الرجل أن يموت بهذه البساطة والهدوء؟! وفي الساعات التي تحدثه فيها أمه عن عمه السابق، لا يسمع أيضا صوته، أيكون حقاً هناك، أيكون جاثماً قربها، ويجلس مسترخياً ومصغياً، دون أن يدخن؟!
يشمُ رائحة طبق الفول يجلسُ قربه، ولا بد أن يكون الشاي معه. يتحسسُ بيده، فيجدُ الخبز الساخن أيضاً، تقول:
ــــ ولماذا فضل دائماً؟ إنه يريد سرقة بيتنا، ربما سكرت فوضع إصبعك على ورقة ما، كم أحتال على الكثيرين وسرق بيوتهم، تعرف كيف سرق بيت المؤذن يعقوب..؟
ــــ ولكن لماذا الخبز الحار.. قلت لك لا تتعبين نفسك!
ــــ لقد خدعه واشترى بيته بثمن بخس، ثم أقام عمارة مكانه سدت النور علينا..
ــــ لم ألحظ غياب النور..
يذوق الشاي بمهل. أحياناً يأتيه النور في لسعات خاطفة، مثل ضربات مشتعلة في الظلام، أو نوارس تصفق، كما لو أن عود كبريت يقترب من وجهه، أو تنوراً ينفتح.. سئم الغلاف الأسود، سئم هذا الرماد والفحم المنتشر في روحه، كان زوج أمه الأول الشرير يضحك على عماه، حلما يمسكُ شيئاً ساخناً ويسقط، أو حين يصطدم بالأعمدة والأبواب. كم كانت تلك الضحكات تنشره، وتنثره وتحبسه في الغرفة. يسمع صخب الأولاد ولعبهم بالكرة، وفرحهم بالأهداف، فيمسكُ الجدار ويتحسس طريقة إليهم، وكانت المباراة تقام بين صفين من البيوت، فيدخل المباراة ويضع الكرة في قدمه ويمسك الجدار ويتقدم مثل صخرة عاتية إلى الهدف.
إن جسمه قوي وضخم، وصوته رقيق ومؤثر، وهو حين يمسك العود ويصب الأغاني في قلوب السامعين، يدهش منه، ولكن لا صوت نسائي يقترب، ولا رفة من حنان تبل صدره. حين يمسك ملامح وجهه، يدرك كم هي متنافرة، فهذا الأنف الضخم، واسع المنخرين، وهذان خدان غائران، وليس ثمة شعر يظهر تحت الأنف فيخفف من غلوائه، وهذه عظام ناتئة ترسم الوجه كله فلا بد أن يخيف أي امرأة.
في أيام لعبة لكرة القدم، كان الأولاد يأخذونه إلى بقعة بيوت السعف، ويصفون له كل شيء: الرجال المتجمعون عند الأبواب، النسوة المتجمعات في إحدى الغرف، ويسمع واحدة تسخر:
ــــ حتى العميان صاروا زبائن لنا، يا للحظ!
صار جلده مدبوغاً بغضاريف التماسيح فلا يأبه لغمزات النسوان، أو قشور اللوز التي ترمى في وجهه، واصبح يعرف من القادم، أو إذا كان أحدهم يسخر منه فيحرك يده في وجهه، وقد عض أصبع أحد المتلاعبين وكان درساً بليغاً للتافهين.
سمع عجلات سيارة تتوقف قرب البيت، وبوق قوي يدعوه. إذن هو الحفل والمبلغ والعلب الممتعة ونزيف القلب!
أخذ عوده وقام. خطوات أمه وراءه، فتحت الباب قبله، وخاطبت فضلاً وهو جالس في مقعده، وقد أنزل الزجاج وراح يدخن ويتمعن في بيوت الحي:
ــــ لا تتعبوا أبني كثيراً يا فضل، دعه يأتي مبكراً..
ــــ إن فرحان في عيوننا!
مشى بحذر الى السيارة، ودار حولها، ووضع العود في المقعد الخلفي، وجلس في المقعد الأمامي، وهو يدرك إن امه لم تغلق الباب بعد، ولاتزال تحدق فيه وكأنه فرخ، وهو تعبٌ من كل هذا الاهتمام، وشعر بالراحة والسيارة تندفع في زحام المدينة، وليلة الجمعة حافلة بالحشود، ويشعر بجسم فضل الضخم وهو يكاد يتنفس ويزفر بطريقة غريبة، كأن أحداً يضغط على صدره، ويسبح بصعوبة في مياه الدخان، كما كان زوج أمه هلال، له زفير غريب يقلقل الليل، وفي جنازته سمعهم يتحدثون عن الأسمنت والنوره، كانوا يضعون أكياس ورق على رؤوسهم ويحمّلون، وها هي ضجة المدينة تخفت قليلاً، وتقل الوقفات عند إشارات المرور، وتندفع السيارة..
قال فضل:
ــــ ستكون حفلة عارمة، ابحث لك عن وليف!
ولعلة الآن يبتسم، يعلم أنفاس اللغة، وعند كلمة وليف إنفرجت شفتاه ولاشك، وظهرت خطوط مسترخية في وجهه. يشعر باللغة والعواطف في تبدلات الهواء وأصوات الأشياء، ويدرك كم هؤلاء البشر محدودون في مشاعرهم وأفكارهم، ويستطيع بسهولة أن يلتقط دواخلهم، فيقولون إنه ساحر، وإنه مثل أمه، أمه المريضة من موت الأزواج الدائم! تقول في حواراتها معهم إنهم مقتولون بالتعاويذ الشيطانية، فهلال جسمه ملئ بالمسك والعنبر، وقد غارت نساء الحي منها، وعملن له عملاً اودى بحياته في عز شبابه. تصيح وتعول: لم يكن يؤذي حتى النمل!
بدا له أن السيارة تنطلق في شوارع خالية تماماً، ثمة هدوء شامل في المكان، وبرودة تتسرب من النخل وجداول. سمع نقيق ضفادع ونداءات جنادب شبقة.
كيف يبدو الليل في الريف؟ هل القمر كبير في السماء؟ وكيف تتشكل النجوم فوق قمم النخيل؟ لو أنه قال لفضل: صف لي المكان والإعالي لضحك عليه، هو رجل مريض، يندفع فمه دائماً الابتسام سخرية من كل شيء، لا يتحدث جاداً إلا عن النقود، لا يدري به إلا حين يحتاجه، وحين سأل هو عنه مرة باشتياق، ذهل، وبادر إلى القول بأن الحفلات إنعدمت وهو ليس معه سيولة..
☷ 2 ☷
توقفت السيارة عند أريج عطر لمكان، وفتح بابٌ بالتليفون والأزرار، ومشت السيارة في ممر تحف به الاشجار، تبدو اشجار تين ولوز، ثم جاءت أصواتُ ضجة من بعيد، وهدير ماء يصبُ في بركة.
يقوده فضلٌ الى الجمع، يرهف السمع الى الأصوات الحاشدة، ثمة رائحة شواء، هو خروف ضحية لهؤلاء، الضجة لا تخبو إلا قليلاً، فضل يقول:
ــــ لقد أحضرت لكم مطرباً رائعاً، يحفظ كل الأغنيات المشهورة..
يسمع دبيب همس بعيد:
ــــ أفضل ما فيه إنه أعمى!
ــــ هنيئاً للمحصنات!
يضحكون لأي كلام، كأن احداً يدغدغهم جميعاً. تقترب منه رائحة نسائية متواضعة، كؤوس دانية ومضطربة، يأخذ علبة، وثمة ثلة تقترب منه، وامرأة ورجل يثرثران ويضحكان:
ــــ أيها الكهل المراوغ، لا فائدة منك ابداً، كم مرة وعدتني..
ــــ لا أستطيع، زوجتي شريكة لي في أعمالي، سوف ينهار كل شيء!
ــــ إذن لا تقترب مني..
يمضي في دندنته، ينشر الأغاني المحفوظة، التي تحرك الجمع وتجعله يتأوه ويرقص ويثرثر وينسى. لم يستطع عزفه أن يقرب أزواج أمه منه، كان أول عود مصنوع من علبة تنك وعليها أوتار، وكم عزف قربهم دون أن يتأثروا.
يغيبُ عن الناس، فلا الظلال ولا الأصوات ولا الروائح معه، يحكي الوتر وحدته، أنينه الطويل في الفراش، والملاعب التي لا يستطيع أن يمسك فيها جداراً الآن، وأمه سرب الحمام الذي يحيطه، والحي الذي خلا من الأصدقاء وجاء الغرباء من كل مكان.
يمضي الوتر يشق صدره ويلقي بقطع روحه المضرجة والمفتتة في الحوش وفي البركة الصامتة، ويمد يده يمدها لصبية من وراء الجدار، من داخل التنور، فيشعر باللسع..
يرهف السمع الى الهدوء الذي انسن الحشد، فلا مضغ، ولا تأوهات، ماذا حدث هل استساغوا هذا العزف المرير؟ ثمة صوت هامس بعيد يمزقه:
ــــ أي مغنٍ ممل هذا؟!
وينتشر صمتٌ آخر مريب، وثمة دغدغة حسية في الجمع، وكأن الأمعاء تحولت الى طبول، وهنا رائحة غريبة عطنة تقترب، وبدأ الهمس يصيرُ ضحكاً مكتوماً. وأخذت الرائحة تصيبه بالغثيان، وأدرك إن ثمة رجلاً يقترب منه، وأن الجمع يراقبه، وهو مشدود الأعصاب إلى حركات الرجل، وإن المتقدم يسخر منه، وانفجرت ضحكات وحيدة لم تصمد لطرافة المشهد المتصاعد، وعرف بأن الرجل يقوم بحركات مشينة، فتصاعد فيه غضبٌ عنيفٌ، وكأن طبولاً من الأدغال تشعله، وكل هذا الظلام يصير حراباً في عينه، فأطبق بأسنانه على جسم المتلاعب..
كان صراخُ الكهل، وفيضُ الدم، وصيحات الحضور وصراخاتهم العنيفة وضحكاتهم، وامرأة مثل النمرة انقضت عليه وعضت أذنه بحدة، ويسمعها تصرخ وهو يلقيها من فوقه كالقطة:
ــــ ذبحتني أيها الأعمى!
☷ 3 ☷
يدندن على العود، الذي لم يعد يستجيب له، ويطربه. مضت شهور غريبة قضاها في السجن. لم يشهد أحد من الموجودين إن الكهل كان يسخر منه، حتى فضل أنكر، وقال إنه أعمى ويتوهم. كل شيء لم يعد يستجيب له. كانوا في السجن يغنون، ويعزفون على أعواد من تنك، ويفرحون بين تلك الجدران، لكنه لم يغن. كل شيء صار صعباً، الحي أزداد ازدحاما، والغرباء صاروا جيراناً، وغدا الجيب فارغاً. أمه لم تعد كما كانت، أصبحت تمشي ببطء وتسعل وتكثر من الأحاديث مع أزواجها السابقين، وكأنه كان يسمع هلالاً يتكلم معها، كم اشتاق إليه! راح مرة يزحف ببطء نحو غرفة أمه، وأصغى الى أصوات غريبة، ثمة هينمة وهمس، أيكون ما يتخيله حقيقياً، أم هو قد بدأ يفقد عقله؟!
يدهش من فضل الذي أخذ يزوره مراراً، يعتذر كثيراً عن خذلانه، كان يقول: أولئك كلهم كبار وتجارتي وأعمالي معهم، أتريدني أن أشهد إنه كان يسخر منك؟ ولماذا تفعل ذلك، وبالأسنان؟! في سجنه كان يمر على أمه ويأتي بها الى مواعيد الزيارة، وكانت تناكفه. هي الوحيدة التي كانت تخترق وحدته، وتدس الطعام في فمه. وزعم السجناء إن شبحها، بعباءتها السوداء، كان يحوم حول المبنى. أرهقه هذا الحب. وتراكم الحصى والطين في نفسه، طبقات من الشكوك والخوف من الهواء والأصابع والهمس والضحك، ويدهش كيف كان في فتوته يقود الدراجة ويلعب الكرة ويذهب للتعلم ويضع أصابعه مكان عينه، ويقرأ ويتوغل في المدن والغابات والحكايات، والآن لا يطيق شيئاً. كان مذاق الدم كريهاً، ولا يزال يحجز طعم الخبز والورد.
قالت أمه:
ــــ كيف سنعيش يا فرحان، ليس في البيت شيء، لماذا لا تذهب للحفلات؟ لماذا لا تغني، طوال اليوم انت جالس في فراشك، وحتى الراديو أغلقته..
بعد أيام أحس بلمسة جديدة في البيت. هتف في روحه: في بيتنا عطر! كانت مكنسة من القش تزيل البقايا، وتجعل الحوش الترابي مبلولاً ومزروعاً، والفتاة الخادمة تدخل غرفته، وترتب ثيابه، وتجلب أكله، ويرهف الى صوت ناعم، والى ثرثرة محببة، ولا يقول لأمه من أين هذه المصاريف، بل يمسك العود ويدندن، ويتذكر لماذا كان السجن كريهاً، وهؤلاء الرجال يحيطون به، وتلك الأنفاس والمضمضات الطويلة والزغاريد الذكورية المفزعة
ومعزوفات الشخير، ويدرك الآن إنه لم يعرف المرأة، لم تلفحه هذه النسمة، ولماذا كان صخراً متحركاً، وعاجزاً عن الغناء الطالع من القلب، ولماذا تراسل أمه أزواجها السابقين، عبر الموت والحياة، ولماذا كانت حنجرته مؤجرة دائماً، ولماذا عض الكهل..
وهو يجعلها تقوده إلى خارج الغرفة، يتحسس هذه الأعضاء المرهفة، يمسك اليد الصغيرة الطرية، فيمضي إلى الحفل، وينضم إلى العازفين، ويعود في الليل الذي تضوعه أزهار الياسمين، وتفتح له الفتاة ويحس بعطرها المخدر، ويضع في يدها حلوى من الحفل، فتضحك..
يقولون له في الفرقة: كثيرٌ من العميان نجحوا في هذه الموسيقى الآلية، وهم يُطلبون في البساتين، ويملأون جيوبهم، ويستأجرون سواقاً، ويجلسون في المقعد الخلفي، وهو يصغي الى كلمات الغناء الباهتة، وتتقيئهم الحفلات في وجه الفجر، والحشود ترقص على إيقاعات القرود، وما يصل إلى الصفوف الخلفية من العازفين يتبخر مع دخان السجائر، والليل هو النهار، والحي هو السجن، ولم تعد أمه تكلم الموتى، بل تجمدت في سريرها، وتاه لسانها، والزحام يشتد، والضجيج يصل إلى السرير، والخادمة جافة، تحولت الى مكنسة وغسالة، وضمها مرة بقوة فكادت أن تصرخ!
ينزل من السيارة، وينتظر أن تفتح الخادمة، ويتمكن من هصرها بين ساعديه، ولكنها لم تأتِ، وبدا الحوش مقفراً، وثمة أصوات غريبة تأتي من غرفة أمه، هل عادت إلى الحديث مع أزواجها؟ ما من مرة تحدثت مع أبيه، وجعلته يكلمه. ويصغي إلى تأوهات اللذة تتصاعد من أعماق الحجرة، ينتظر لحظة مذهولاً، حزيناً، مستثاراً، ثم يقشعر غاضباً، وكأن موجة وحشية أخرى تستولي عليه، ويندفع وهو يجأر، فينفلت مخلوقٌ أملسٌ من بين ذراعيه، يقبض عليه والرجلُ يصرخ ويكاد صوته أن يُجتث من جسده حتى يلقيه في الحوش مثل خرقة..
☷ 4☷
البيت أعمى وأخرس. تحيطه بقايا كثيرة. ظلمات مركبة تنزل على عينيه، لم تعد ثمة شمس يشعر بلمسها، وأمه متجمدة على الفراش، يطعمها، يكلمها، يحدثها عن أزوجها، تهز أصابعه، وتحفر فيها، لا يعرف ماذا تريد، أحياناً وامضة ينفجر حرفٌ من صدرها، يحملها إلى دورة المياه، يغسلها، يلبسها، يهدهدها بالأغاني، غدت خفيفة، وماتزال إشاراتها تحفر يده، يقول:
ــــ لم أعد مهتماً بالنساء، ولا أريد أن أتزوج، كيف يمكن أن يحدث ذلك، هل أنت عاقلة، كنت دائماً تحدثين الموتى، طوال عمرك كنت مجنونة، انظري إلى الخرابة التي صنعتها، ذهبتُ شهوراً أخرى الى السجن، وفجرت الدماء من حولي، لا، لا، لن أضرب أحداً، لا تحفرين في يدي، لا تحفرين في يدي! نعم، نحن نعيش على أطباق الجيران، من بقى من أهل الحي؟ نحن باقيان في بيتنا، في أرضنا، الضجيج حتى في الليل، الغرباء بدأوا يأخذون أحجار جدارنا، وفضل يأتي اليّ في كل يوم، ويريد أن أبيع البيت، كلما أشترى بيتاً أزداد الغرباء، لا لن أبيعه إياه، اطمئني، ماذا تقولين؟ تخافين عليّ، سأبقى وحيداً؟
ينهض، يمشي في الحوش، يرفع رأسه وكأنه يتأمل النجوم، ماتت تلك الخرزات الملونات، واستباح الرمادُ الكون. يلبس البدلة، يتحسس ربطة العنق، ويصغي الى عجلات السيارة القادمة وهي تدخل الحي، دبيبُ محركها يعرفه، يمسك العود من عنقه.
لم يمت الرجل الذي هصر عنقه، ولكنه أخذ بعض الذكريات الدائمة في جسده، ألم يكن بإمكانه أن يتركه يستمتع؟!
يصفر ويفتح الباب..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيد الضريح (قصص)، وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2003.
☷ (القصص: طائران فوق عرش النار ـــ وراء الجبال ـــ ثنائية القتل المتخفي ـــ البركان ـــ سيد الضريح ـــ وتر في الليل المقطوع ـــ أطياف ـــ رؤيا ـــ محاكمة على بابا ـــ الحارس).
