الأحد، 7 سبتمبر 2025

الحـــــــيُّ والميـــــتُ ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة


رأيتهُ عندَ الشجرةِ الصفراء مرمياً.

هناك في أحشاءِ القرية المنثورة ، في إمتدادِ أصابعِها وتلالها ، في لحظةِ إستيقظاتِها وصياحِ أولادها ، في زمنِ العمل الصيفي ، في تلك الشاحناتِ التي تقذفُ الرملَ والطفولة.

لم يزلْ حسن باقياً بقصائدهِ ، تلك القصائدُ القليلة ، المغسولةُ بالعرق والدموع ، المتناثرةُ في أيامِ القيظ ، حين يأتي من بلدِ النهر ، ليجدَ القريةَ الراكدة ، ويقدمُ لشبابِها بضعَ كتبٍ من حشودٍ تصطفُ عند جدارنٍ مهترئةٍ متعكزة على حشائشِ النهرِ الكثيفة ، الخضراء العميقة ، يتأملُ كلَ شيءٍ بهدوء ، يمشي بتثاقلٍ في الشوارع ، خاصةً في شارعِ السوق ، الذي تنمو على ضفافهِ المقاهي الهادئةُ التي تزرعُ الضوءَ والشايَّ الأحمرَ والشعر.

لم أكن أعلم إنني عند الشجرة تلك سوف أستلمهُ من الجيش لأدفنهُ هناك.

كانت دموعُ صديقه ، ضيفُ زقاقهِ : عمران ، رفيقُ تربتهِ الخضراء ، هي الأغزرُ . كانا يركضان بين السنابل ، وأوراقِ الكتبِ والموز ، لا يصطادان العصافير ، يفرشان أجنحتَهما ويطيران ، سوف يطيرُ حسن بعيداً ، سيرقى في السماء السابعة ، ويقطفُ خدودَ الصبايا وقلائدَ الكلام ، وصديقهُ عمران سيحفرُ في الكراجاتِ والحفرِ والسمائد والمدارس ، سينتقلُ عمران من حظيرةِ البيتِ في قلبِ المدينة ليمضي عند بيتٍ حديثٍ في أخاديد وجهِ قريةٍ عجوز . سيملأُ البيتَ والسيارةَ الصغيرةَ الصفراء بالزجاجاتِ والعلب الفارغةِ والأشياءِ الضائعة والكتبِ ومسودات الشعر المُلتبسةِ بخطوط الإطارات الهاربة في شوارع المدن.

صديقهُ عمران سيعيشُ ، سيعيشُ كثيراً في هواتِ السكارى ، قربَ الحفرِ والنخيلِ الميت وأجسادِ البلابل اليابسة والأغصان التي تحيطُ بالقيعان ، وستتصاعدُ روائحُ المأكولاتِ وضجيجُ النظرياتِ المقبورة البطون ، والعُلب ، العُلب الكثيرة النائمة على مدى النظر ، مليئة بالكلام المتخثر والحشرات المتجهة لقضم الشجر.

رأيتهُ هناك عند الشجرة الصفراء حياً.

كلما قتلوهُ ظهرَ في عباءاتِ النساء ، لأنهُ لم يؤذِ طيراً أو زجاجة ، كان شفافاً يحبُ الريشَ والزجاجَ والضوء الصباحي وأزقة القرية ، كلما أخفوهُ ظهرَ في الإسطواناتِ مثل نبي قُتل خطأً ، براءتهُ تحضرُ في كلِ مكان ، رقتهُ تحرضُ النساءَ على الحبل.

صديقهُ عمران يقول : ماتَ لأنه جبان ، كان يرتعدُ رعباً من الأزياءِ الصفراء ، ومن الإيدي القاسية ، لم يتعاركْ مرة ، لم يهجمْ على كلب ، قلبهُ قفزَ من جسدهِ خوفاً.

من تلك الخربشات راحَ عمران يكتبُ ملوثاتِ سيرتهِ ، سيمزقُ جلدَهُ ليصنعَ سطوراً تهربُ منه دائماً للحُفر ، يملأُ صدرَهُ بدخانِ السجائرِ ليظهرَ بمظهرِ مخبزٍ أهلي لصنعِ الحلويات ، ويضعُ رأسَ فيلسوفٍ على جسمِ حيةٍ هاربةٍ في الحقول ، سيركضُ من ملعبٍ لحلبةِ مصارعة ، لمكتبةٍ يسرقُ منها كتاباً ، سيُعلَّم الأولادَ في المدرسةِ التدخينَ والعراكَ ، سيصعدُ إلى الحفلاتِ وهاماتِ المسارحِ ليقول إنه صديق حسن ، عاشا معاً في القرية ، أتراباً ، التقيا بالصدفةِ بين قمامةِ مدينةٍ وعرسِ قرية ، ستظهرُ في عيونهِ علاماتُ البريقِ والكبرياءِ ، سيستمدُ من جثةِ صديقهِ بعضَ السماد والجذور والعصافير التي لم تزلْ حيةً ، سيطيرُ قليلاً ، سوف يصنعُ بعضَ المسامير ، وهو يموتُ كلَ يوم ، سيحرقُ غابةً من اللفائفِ والورق الأخضر ليشوي بلبلاً مبللاً بالندى ، سيصلُ البيتَ بعد أن داسَ الكثيرَ من السلاحفِ والعظاياتِ والبراميل قرب الفجر وهو يَسبحُ بالدخان وشظايا الكيروسين والرغوة الحامضة.

أحضروا جثةَ حسن في الليل ووقفوا على رؤوسنا ونحن نواريها التراب ، لم تُغسل ، لم نلمْ قطعَها جيداً ، لم نغسلْها من الدماء . منذ ذاك ذهبتْ البراءةُ من القرية ، وشيوخُ الدينِ غادروا للجبالِ ولمدنِ الذئاب ، خطيبتُهُ إحتفظتْ بعقلِها وبقصائدهِ وهي تنزفُ أشلاءَها وذكرياتها ليحصدها طلابُ الإجازاتِ الجامعية وينشروها في الكون. 

هدوءٌ رهيبٌ على الأزقة ، تناسلتْ سيرتُهُ في الأغاني ، وحفرتْ الأصابعُ الترابَ والخشبَ من أجلِ وريقاتهِ ، وما زال هناك على الجدران يبتسم ، وخطيبته كبر أطفالها وهم يرددون اسمه.

كل مرةٍ يأتيني عمران يبحثُ عن شيءٍ له ، يحاولُ الحصولَ على قطعةِ ورق ، نتفةِ أثرٍ ، يعلقُها في جسمهِ الهاربِ منه ، يقول إن حسن يكبرُ كل يوم ؛ فرقةٌ موسيقية بعيدةٌ تغني كلماته ، مسرحٌ صيني يمثلُ مسرحيتَهُ الوحيدة ، وهو يجري من أرضٍ لنقعة ، من قاعةِ مسرحٍ لمقبرةٍ ، دون أن يعرفَهُ أحدٌ ، يتضاءلُ وجودُهُ كلَ لحظة ، يدخلُ عملياتٍ ويتقزم ، يقتربُ من الأرض دون أن يحبها ، والدخانُ أمتصَّ صدرَهُ ويتشبثُ بالحياةِ بكلِ خليةٍ مليئةٍ بالصراخ والبصاقِ المعجونِ بالتبغ والدم ، يخرجُ من مشرحةٍ إلى مسجد ، يعودُ للدخانِ الأزلي السماوي ، إلى أضرحةِ الأئمة ، ويستلفُ من المفسرين خناجرَ للقتل ، يمزقُ جلدَهُ غاضباً على شعرِ حسن الكافر ، الأخضر المغسول بالندى ، يأتي بثلةٍ تنبشُ بيتَ حسن ، علها تجدُ أشرطةً لا تزالُ تبثُ الغضبَ من تحت النخلة ، تحفرُ الأرضَ المحفورة عقوداً ، يصرخُ عمران : أنا أحتضر! حسنٌ يهاجمُهُ في كلِ حلم ، لا يتركهُ ، كلَ ليلةٍ يعوي في أذنيه ، إنه لم يمتْ ، لم يُدفن ، ثمة جندي يقولُ ذلك ، الجندُ لم يلقوهُ في حفرةِ الثلجِ في تلك الليلة الباردة ، ولم يطلقوا عليه الكلاب ، ثمة شبحٌ هناك ، شبحٌ رآهُ يهربُ ، وراء السياج الحديدي.

يمسكني عمران من ذراعي ، يشدني إلى الأرض ، أنا العجوزُ التعبُ ، يعوي: أريدُ أن أراه ، أنتَ خبأتهُ في الجذور ، في الإسطواناتِ التي لم تزلْ تدورُ وتبعثُ الفوضى وأسربةَ الطيور في الفضاء . يضيف: أنا أحتضرُ وهو يحيا ، أريدُ أن أدفنه حقاً ، أقضي عليه في موته ، أنا أتقيحُ ، جلدي يذبل ، لم تعدْ لدي كلمات ، قشورُ موزٍ صارت ، عظاياتٌ تمشي في الآذان ، أنا صرتُ حفرةً وهو طائر.

عمران ما زال يعيش ، يأكلُ الخبزَ الساخنَ الطالعَ من التنور ، يرى أولادَهُ يكبرون ، يفرحُ قليلاً ، يتلقصُ كلَ لحظة.

حسن لا يزال ظلاً ، لم يدخلْ القرية ، لم يلمسْ الخبز ، لم ير العرس ، الدموعُ تملأ عيني كلما تذكرته وهو لا يموت ، كنتُ أريدهُ أن يموتَ كهلاً مثلي ، في كل ذكرى آخذه قليلاً للحياة ، ألحنُ قصيدةً له ، أدعهُ يتزوجُ امرأةً ، يرى ولداً.

   يناير 2010

______________________________

9 – أنطولوجيا الحمير «قصص»، 2017.

«القصص: انطولوجيا الحمير– عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوة الأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان –الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».










المقالات العامة

العناوين المميّزة

رواية الينابيع لــ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

كأن الليلَ صار فتى وامرأةً ضوئيةً ترقصُ في جرارِ الخمرِ، والسفنُ تجلبُ قمحاً وفرحاً، والبلدةُ الرفيعةُ فوق التلةِ، تصحو على صوتِ الدفوفِ وال...