الجمعة، 10 أكتوبر 2025

الضمير ــ قصة قصيرة : لــ عبدالله خليفة


      

 

كلُ تلك الطيوف كانتْ تطاردهُ ، هو واحدٌ من الناسِ يخطىء ويصيب ، تحسنتْ أحوالهُ الآن بعد أن كان مغموراً ، في القرية يلبسُ الثيابَ الوسخة ، يبحثُ عن عمل ، سنواتٌ بلا رزق ، تغاضى عن تسللِ أختهِ للمدينة ، تسلقَ جدراناً وسرق ، فتحَ حسابات ، انغمرَ بالصلواتِ والحشود ، الصرخاتُ في الليلِ تطارده ، والراكضون وراءَهُ بكلابِهم يعجزون عنه ، تيَّبسَ وجههُ من إدعاءِ الفضيلة ، يصغي بحبٍ واهتمامٍ للشيخ ، يسألهُ وهو يختلي بهِ ، ويرددُ كلماتهِ دائماً والشيخُ معجبٌ به !

كان يتساءل : الشيخُ يسألُ عنه إذا غاب ، وحين يجيء ينشرحُ وجههُ ، والشيخُ يرسلهُ في مهماتٍ خطرةٍ ويغدو موضعَ سرهِ ، وهو ذو التاريخِ السري المريبِ فكيف لا يعرفهُ ؟ ! يلمحُ الشيخُ عبد الباسط بإنه متصلٌ برموزِ السماء ؟ فلماذا لا يطبقُ قبضتهُ على عنقه ؟ أهو سرٌ من السماءِ أن تعطيهِ فرصاً لكي يتوب ؟

قفزَ في إحدى الليالي بيتاً متواضعاً لم يكن ثمة حسٌ فيه ، عتمةٌ شديدةٌ في الدروبِ إليه ، وفي المنزلِ كان ثمة ضوءٌ شحيح . راقبَ منزلَ العجوز طويلاً ، عرفَ بسفرِ أهله ، ويدرك كم هو العجوز بخيل وجامع للأموال ، ويكرهُ البنوكَ ومحرماتِها . سمعَ ثمة أصوات خافتة ، طلَّ بحذرٍ شديدٍ فرأى العجوز منبطحاً وثمة رجل يعطيه ظهرَهُ يدلكهُ ويقرأُ عليه . تراجعَ لغرفة أخرى وحفر وأخرج ثروة . راح ينشفُ عرقَهُ ووضعَ الخرقةَ الثقيلةَ الثمينة على كتفه وأراد أن يخرج ، فوجد رجلاً أمامه ! الرجلُ لم يصرخْ وينادي كالعادة لتتكهربَ أسلاكُ الأرضِ والسماء في إرتجافات متشنجة تـُخرجُ كلَ عفاريتِ الأزقة ، بل أرادَ أن يتنحى جانباً ويتركه يمر ، لكنه ظن أنه يريد الهجوم عليه فأخرج سكينَهُ بسرعةِ ومضٍ وطعنهُ !

تدلى وجههُ قربه في همسةِ ألمٍ مكتومةٍ لكن حادة . فعرفَ فيه شخص سامي الترابي ! فأزاحه وتركه يسقط ويتلوى على الأرض .

في اليوم التالي كانت الشرطةُ تدقُ البابَ بقوة ، وتسحبهُ للمركز حيث استلمه ضابطٌ كبيرٌ وسأله :

- ماذا يقول لك الشيخ عبدالباسط في جلساتكما الأخيرة ؟

هدأ تشنجه ، إنه دفن المسروقات في عمق الأرض ، في حقلٍ مهجور ، في ظلمةِ الليل ، وفي كلِ لحظةٍ كان يخاف أن يُطرق البابُ ويُنتزع من فراشهِ ليحفر ويستخرج الأشياء والنقود ويُجرجر للفضيحة . قال بقوة :

- نبحث شؤون الناس كالعادة يا حضرة النقيب .

- تبحثون شؤون الناس أم توزعون المجموعات للقيام بأعمالكم المزعزعة للأمن والهدوء ؟!

كانت الدروبُ تشتعل ، وجمهورٌ كثيفٌ يرفعُ الشمسَ على الأزقة ، وهو يقفُ بقرب الشيخ الذي يدوي صوته ، ويرى في الجمهور الغفير سامي الترابي لا يزال حياً ، ولم يتذكره كثيراً ، بل جاءَ في ومضاتٍ أُنتزعت من راحتهِ ومن وحشتهِ ، في ذلك الخلاء من حبِ الحياةِ وبناءِ البيت والزواج بامرأة أخرى ، في تلك الارتجافاتِ الحادةِ التي تَختمُ بالشمعِ الأسود لحظات البهجة ، وفي هذه الجَمعةِ الهائلةِ الصاخبة من البشر ومن هتافاتِ العدالة ، كانت عيناهُ ترتجفان وتبتعدان عن مركز الدائرة ، حيث يقف سامي منزوعَ الثيابِ وفي صدرهِ سكينٌ غائصةٌ حتى الأشرطة الخضراء المُغلِفة للقلب .

تأملْ يا سيدي هذه الروحَ الغادرةَ ، حيث الدخانُ يقتلُ الأطفالَ ، والرصاصُ المطاطيُّ يتسللُ لبطونِ النساء ، والشيخُ يسمعهُ ويمسكُ يدَهُ وهما يدخلان الزنزانات ، ويتوارى الأخوةُ من فضائِهما ، ويتركون لهما الأسرةَ والحجرَ والغذاء ، وتأتيهِ ضرباتُ الأكفِ الغليظة على وجهه ، ويُتركُ في الظلام بضع ساعات والنملُ يأكلُ قدميه ويذكرهُ بالثروةِ المدفونةِ والمأمنةِ في بنوكِ الكفار ، فيغدو مُسجلةً من اللحمِ والأسى قرب الشيخ ، ويرتفعان في الكهوف والصخب البشري وفي الخيوط المهترئة للنسيج الفاعل ، وصورتهُ تملأ الشوارعَ والفاكسات الصاخبة من وراء البحار ، وصوتهُ يُنقل في فضائياتِ الرعبِ السماويةِ بقربِ الأئمة الصالحين ، ولم يستطعْ أن يعبىءَ الشيخَ عبدالباسط بالشكوك من سامي الترابي ، الذي يظهرُ في حشودِهم ، ويسكرُ ، ويطالعُ كتباً مدنسة ، والشيخُ فتحَ كتبَ التفاسير والفأل والفتاوى ، ولم يجدْ عقرباً يتسلل إلى عينيه .

تتقلبُ به الحياة ، لم يتوقعْ أن يقفَ بديلاً عن الشيخ عبدالباسط أمام الجمهور الحاشد ، الشيخُ تردتْ صحتهُ لكن ما زال عقلهُ يعمل ، ويجثم في بيته ، يرسلُ الحمامَ الزاجلَ للسماء ، وتعتني بصحتهِ صبيةٌ جميلاتٌ ، ووقفَ في قبةِ البرلمان وظهرَ في التلفزيون الذي كان يطاردهُ بإعلاناتهِ ، ووجه أصبعهُ نحو سامي ، وصرخ : (يجب قتل هذا الرجل !) .

الاجتماعاتُ كثيرةٌ ، والأخوةُ يؤشرون نحو خرائط عديدة ، والأراضي تنتقلُ ، والأسواقُ تُهدمُ فيها منازلُ فقراءٍ رثين وذوي سلوك خطر ، وتُفتح جمعياتٌ عديدةٌ في الريفِ لصنع التمائم وصيد الشياطين ، والنقيبُ الذي صار لواءً يتسلمُ نفسَ التقارير بأسلوبهِ الركيك ، ويجتمعُ مراتٍ نادرةً بالشيخ عبدالباسط يهمسُ في أذنهِ عن سامي ، والشيخ يمشي في نومه ، أو يتسلل لمخادعِ الصبية ، ويتساءل بذهولٍ ومكرٍ: (من هو سامي هذا الذي تريد زعزعة الجماعة بإدخاله في القيادة؟) .

صورةُ المنزلِ المعتم ، والسكينُ التي تغوصُ في ورقِ الإيمان ، دعتهُ لتشكيلِ لجنةٍ من أنقى وأصفى قوى الجماعة ، وكان طرحُ مسألة سامي على بساط البحث العام مسألةً مخيفة.

الوجوهُ التي تجمعتْ حول طاولة السر لم تُذهلْ من هذا . رغم أن سامي لم يجد أصحاباً كثيرين في الجماعة ، سوى امرأة تهذي في الدروب والحارات وتصنعُ حلوى سحريةً للأطفال ، وثلاثةَ رجالٍ لا زالوا محبوسين في عهد الحرية الذي أُعلن على الملأ ، ورجلاً في جزيرة نائية ينشرُ أوراقاً ، رغم ذلك فإن الأفواهَ المجتمعةَ كلها بصمت على تقرير الموت .

طالعهم بذهول . كان يتوقعُ عواصفَ من خط الأستواء ، ركّبَ أجهزةَ تنصتٍ ، وبحثَ في شاشة كبيرة ذات مستويات مشهدية متعددة لتدفق أموالهم ومشروعاتهم ، ومراسالاتهم للجبال ، والجن المؤمن ، إلا أنه لم يجدْ ما يُريب ، رغم الأرقام الأسطورية التي صارت مثل تلال اللحى وفضائيات الضفادع وصناديق الخير.

 توجهتْ ثلةٌ مدججةٌ إلى منزل سامي .

الخريطة التي أُعطيت لها كانت مضللة . تعبتْ في العثور على تلك العشة الريفية التي سكن فيها سامي . أشار الحرسُ الجمهوري لها بأنه يسكنُ على سطح عمارة . بينما الجيشُ وجهها نحو كهفٍ بحري لعب دوراً مميزاً في كشف قوارب التهريب . الحرسُ الوطني وكتائبُ السجون ومعسكراتُ الأخلاق الحميدة وإعادة التربية توافقت على وجودِ منزلهِ في الجبل الأسود حيث لا تزال شراراتُ الحروبِ الأهليةِ باقيةً في الحقولِ المحروقة . لكن كتائبَ الشيخ عبدالباسط ومدارس التحفيظ وحرس الشريعة بعد قيامِها باستخاراتٍ عديدة حددت الجهة الصحيحة لعشة سامي .

قامت الثلةُ بحرقِها لكن جثةَ المغدورِ لم يُعثر عليها .

 

29/3/2014



المقالات العامة

العناوين المميّزة

رواية الينابيع لــ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

كأن الليلَ صار فتى وامرأةً ضوئيةً ترقصُ في جرارِ الخمرِ، والسفنُ تجلبُ قمحاً وفرحاً، والبلدةُ الرفيعةُ فوق التلةِ، تصحو على صوتِ الدفوفِ وال...