الأربعاء، 21 يناير 2026

الموتُ حُبـَأً ــ قصة قصيرة: عبدالله خليفة

  (الإهداء: إلى ذكرى محمدِ الماجد)  


- (سيدتي الساحرة المحرقية أدخليني في بخوركِ وعطوركِ واصنعيني ثانية. تعبتُ من هذه الهيئةِ وهذه الكينونةِ، أرمِ عليّ الجمرَ وأشعليني، أصيرُ طفلاً ثانية، وأحبو على تلةٍ في الرفاع، أو أصيرُ قنينةً في زمنِ الوردِ القادم.)

المرأةُ المتغطيةُ بورقِ الشجرِ وخرائطِ الأفاعي صاحبةُ بيتِ العقود في ملكوتِها. مضى قرنٌ على ذبولِها، وحولتْ غابةَ الأطفالِ في هذه الدروب إلى شياطين.

- (يا محـمد!)

غاصتْ في قلبِ النارِ، وغرفتْ منه بنفسجةً وأعطتهُ إياها.

تأملَ يديه فوجدَ أشواكاً.

يعبرُ نحو المدينة الأخرى.

- (ليعطيني هذا الجسرُ بَعضاً من تألقهِ ومحارهِ، سأصنعُ من تفردهِ لوحةً، وهذه الموجاتُ المتلألئاتُ سوف أخلدُهَا في أبياتي، فلتغفُ المنامةُ على وسادتي، أنا من فكَ قيودِ أسرِها، وعَطَّرَ خدودَها بالقبلاتِ)

انفجرَ إطارُ الدراجةِ واهتزتْ وأسقطتهُ بقوة.

طالعهُ ركابُ الباص وكان بعضَهم يضحكُ عليه!

صاح غاضباً:

- (أوغاد!)

توقفتْ سيارةٌ وطلعَ رأسُ السائقِ وقالَ وانتزعهُ من بريةِ الجسر الملعونة. ثمة شيطانٌ يلاحقه، والعجوزُ الحارقةُ لا تشفي قلبه.

يضعهُ السائقُ في محلهِ، بين دراجاته، هذه الهياكلُ الحديديةُ الرقيقة تحبهُ، لتمضِ بين الدروب ترنُ أجراسُها، وتلتهمُ السيقانُ بها المسافات. وكلُ الأولادِ باقةُ وردٍ ذاتُ أشواكٍ تخزُ أصابعَه.

- (كيف لي وأنا الذي يحتضنُ (الوجودَ والعدمَ) في ليلِ المدينةِ الموحشِ أن أصلحَ هذه الأجراسَ وأصبَ الزيتَ على الحديد الصدئِ؟ وأجمعَ هذه القطعَ المعدنيةَ الصغيرة لأمضغ خبزاً؟)

رثُ الثيابِ، في الزحامِ البشري القطيعي، لا تختلفُ هذه الرأسُ المثقلةُ بالشعلِ عن أيةِ بهيمةٍ تعبر. متأنقون في بدلاتهم، متحنطون في سياراتهم الفخمة، البنايات الكبيرة ترتفعُ فوق العظام البشرية، سقطَ عاملٌ من فوق سقالتهِ على فوضى البناءِ والمواد. تجري نحو مقهى، تنهالُ على الورقِ ضرباً، عيونُ الرواد مفتوحةٌ على عجبٍ وإستغراب وسخرية.

تُلقي بدمائكَ على المائدةِ الباردةِ لرئيسِ الجريدة.

- (كيف يمكنُ لهذا الرجلِ القادمِ من البرية، الذي سقطَ في امتحان التاريخ، أن يلتقطَ شرايينَ العامل المفتتةِ في كلماتي؟ في دخانِ غليونه، والشحم الذي تراكم من جلساتهِ تلالٌ صحراويةٌ غريبةٌ عن ضجيجِ البحر.)

꧁꧂

- (يا محـمد!)

للمرة الأولى ينهضُ باكراً، يمسكُ خيوطَ الصباحِ الرقيقة، ويَخرجُ من حجرتهِ البائسةِ في أعماقِِ الزقاق، ويجري إلى الشارع الكبير، يمشي في السوق الذي يلتهمُ الأرغفةَ والأحبةَ والدموعَ والضلوع، يخطفُ الصحيفةَ من البائعِ المذهولِ وترقصُ أوراقُهُا في أصابعهِ حتى يرى كلماته؛ قطعُ كبدهِ الناريةِ تنزفُ عبرَ السواد!

ها هو الآن يجثمُ وراءَ مكتبِ الحريةِ والبروق، بعد أن نَزفتْ أصابعُهُ من دبابيسِ عداداتِ الكهرباء وكتابة الفواتير، بعد أن اضاءَ ليلَ المدينةِ القاتمِ بخيوطٍ شحيحةٍ من النور، وبعد أن غدا خبيراً في الدراجاتِ المنقرضة.

- (عندما أكون هنا، قربَ نافذةِ الحروفِ والزجاج والغضبِ السري أختنق، دفنني الأستاذُ محمود في تلالٍ من رسائل القراءِ البليدة، وعلي أن أعثرَ على خاتم سليمان في هذا البحرِ من القواقعِ والأعشابِ الميتةِ والأنات الخافتة).

محمود!

إنه هادئٌ، بحرٌ من المناورات، يداومُ على حضورٍ متأخر، يعصرُ الورقَ والمطبعةَ لحبيباتٍ صغيرةٍ من الذهبِ تتراكمُ هناك في بيتهِ العملاق، وأراضيه التي تنمو في البرية.

ظنَّ أنه سيعطيه منصباً!

لكن ها هو يدخلُ تلةً من رسائلِ القراء، يَردُ عليها، يجري في الأزقةِ مُنتزعِاً الأحشاءَ المصهورةَ للبشر، يضعُها على الطاولة، بين أسنانِ الآلة، بين أشداقِ الحوتِ الذي يعبرُ بها للمجهول.

يصرخ:

- (ماذا تفعل بكلماتي؟ أنا أنزفُ، أجري شبه حاف، تقطعتْ أصابعي، ثم تخربشُ بقلمكَ الأحمر على روحي، لم تبقِ أسنانٌ لحروفي!)

محمود أدمنَ السيرَ بين قوافل التاريخ، عاشَ مرةً في الاحتفالاتِ الهائجة وفي أعراسِ الحرية، قذفَ حجارةً صماء على النوافذ المسترخيةِ في الظلال، طردوهُ في سفينةٍ للشاطئ الآخر، أعتزلَ الصخبَ في غرفةِ مصرفٍ يَعدُ النقودَ والأرباحَ لغيره.

يسيران معاً في البستان، يجلسان تحت العرائشِ المتدليةِ للعنب، يحدقان في مياهِ البركةِ المتموجةِ، يضعُ الخادمُ الكؤوسَ المترعةَ بماءِ الفضةِ، ينتفضُ محمد جالباً الدموعَ والأظافرَ المقطوعةَ للأزقة، لقصاصاتِ الورقِ التي يوزعُها ويكتبُها وسطوراً من تلالِ الكتبِ التي يقرأها والقادمة النائمة في المكتبات، المياهُ المترقرقةُ في الكؤوسِ تجعلهُ أكثرَ صخباً وحزناً وضجيجاً.

يعترفُ في الفضاء:

- (لستُ قادراً على مهنةِ الحروف هذه، لا بدَّ لي أن أعودَ حِرفياً صنائعياً في تلك الدروبِ البسيطة، مع أولئك البشرِ الذين لا يتساءلون عن الوجود، وعن الذات الذائبة، يحترقون ويشعلون أعواداً صغيرةً من الكبريت ويملأون الأزقةَ بالصراخ والأولاد، لماذا إنعزلتُ عنهم؟ لماذا صرتُ غيرهم؟ ربما كانت المرأةُ العجوزُ في عمق أزقة المحرق قادرةً على شفائي!)

꧁꧂

تتدحرجُ روحهُ في أزقةِ المحرق، الأبنيةُ الكبرى للسحرةِ ومشعلي الطقوسِ صارتْ خرائب. المرأةُ العجوزُ انتعشتْ أعمالُها وخادمُها نصيب يفتحُ له البابَ، ليضيعَ جسدَهُ في الاحتفال، من روحِ الزجاجةِ صارَ فراشةً، ومن عبقِ العطورِ عادَ للطفولة، وراح يحضنُ البشر ويضحكُ، ويعلنُ: كلما أطحنا بالعقلِ نجونَا من المصائد. الناسُ تدورُ في الفراغِ وهؤلاء يدورون في الوجود، عَظمةٌ تكتسي لحماً ثم تنفرجُ عن دود، فلماذا لا تغدو الزجاجةُ إقلاعاً نحو الخلود؟ المرأةُ المريضةُ من هجومِ الأرواحِ الشريرةِ تدور، تلتصقُ به، تلامسهُ ويداعبُهَا، الظَهرُ والمؤخرةُ البارزة والساقان القويتان تهيمنُ عليه في الدوران، يختفي البشرُ الظلالُ والصراخُ الجنوني والوعيد بقدوم النار والوعد تحقق بإحتضان ثمرة ثورة الأجساد، والصباح يظهر مفاجئاً مثل سيخ ناري، والهاتفُ يريدُ قِطعاً من لحمه، والورقُ صار يطالبُ بنصيبهِ من عروقه، ويرى إنه مع امرأةٍ ليستْ غريبةً، في عشِ معبدٍ من حجر، وثمة غرفتان ومطبخٌ يصهلُ بالماء والأرز والشاي والقدور والصداع والغثيان، وزوجتهُ تصرخ: إنهضْ يا محمد!

- كانت غلطةً سحرية! في أجواءِ تلك العجوز الشيطانية تمَّ جَرِّي للأسرةِ، الأفعى سحبتني للشجرةِ، ونظرَ الثعبانُ إليّ وقال: حسناً ما صنعتما! وكلُ يومٍ عليّ أن أخرجَ من متاهةِ المحرقِ، ولولا خميس رفيقي في دروبِ المتاهةِ الحجريةِ والحروفِ الدامية لما كنتُ أعبرُ الجسرَ إلا غريقاً. الصداقةُ تعطيكَ لحناً آخرَ غيرَ قفصِ الزواج، ثمة يدٌ تمسكُ الكتبَ والأسطواناتَ وتسمعُ السيمفونياتَ في زارِ الحارات معك، ثمة رأسان تتنادمان، ثمة روحان تطيران سعيدتين فوق نيران المدينة. ياه حين أجلسُ وخميس على شاطئِ المحرق وبيننا زجاجةٌ ألسنةُ البحرِ تغازلُها، تطفو روحي مثل اللآلئ والورقُ الأخضر الكبير الذي تجلسُ عليه الملائكةُ وكهنةُ آمون ويقذفُ سارتر بألغازهِ وأسرارهِ في وجهي.

تصيحُ زوجتهُ وهو يتشققُ في فراشهِ ظهراً:

- (أي زوجٍ أنت؟ ليس ثمة شيء في البيت، وأنا الحاملُ عاجزةٌ عن الذهاب للسوق. يا ربي كل ليلة سكر سكر!).

- آه من أشعة الشمس الحارقة! وينتظرني طريق جهنم للجريدة، والصداع والغثيان.. أين خميس لينقذني؟

- (جاءك خميس وسيارتهُ توقفتْ في الطريق وطرقَ البابَ ولكنك أغلقتَ الغرفةَ عليك.)

- (يوم آخر من عبث الوجود، الطعامُ الذي لا لذةَ فيه، والبروقُ لم تزلْ تضيءُ الرأس، والكأسُ تتلألأ، لكن عليّ أن أصحو وأشربَ هذا السائلَ الحقيرَ الذي اسمه الشاي، وأكادُ أتدحرجُ على عتبةِ صاحبةِ الجلالةِ المومس الجريدة!)

يندفع إليه خميس ويكاد يحضنه:

- (صاحبتك التي تبعثُ إليكَ بكلماتِها وقصصِها وقصصاتِها الحارقة).

- (ماذا بها؟ أنطقْ! قلبي عصفورٌ دائخٌ بين أصابعك المفترسة!)

- (وردةٌ هنا!) 

- (وردةٌ هنا وأنا بهذه الهيئة الخريفية الذابلة؟)

- (أمض! هذه هيئةُ كادحِ كلمةٍ حقيقي!)

يتجمدُ، يتلعثمُ، يجلسُ محترقاً على مقعده، والفتاةُ السمراءُ الهادئةُ بسيطةٌ في ألوانِها، تدفقتْ نحوه بحميميةٍ؛ كيف قرأتَ كلماتي؟ أطراؤكَ كان مروعاً! أي سحرٍ تبثهُ فيَّ هذه الكلماتُ اليومية؟ الناس تنتظرُ هذا اللسعَ وهذا النورَ وهذا الجَلد!

- (لا يمكن لهذا العالم البخيل القذر أن يعطيني كل هذا! هذه فاتنة تصحو على هذا النمل الناري الذي ينسلُ من عظامي، كأنها تمسكُ بتلابيبِ روحي، تأخذني إليها، والسوقُ المليئةُ بالبقايا والسيارات والمارة تنفتحُ فجأةً ممراً لعاشقين، لسائِرَين نحو نافذة تطلُ على البحر، في جنةٍ تحدقُ في الجَمال، وأطير، أنسى المحرق، أنسى الأزقةَ الحجرية المطبقة على عظامي، أنسى الزحامَ البقري وأطيرُ على تلةٍ في الرفاع، بيتُ أهلي، فرحٌ غامرٌ بالتقاءِ فسيفساء العائلة، ووردةٌ هنا لا تريدُ أن تتركني، تأكلني بنظراتِها، تعرفُ أقدامي المنغرسةَ في الطين، جيوبيَّ المثقوبة، يدي المضروبتين بمسامير الكلمات المُباعة..).

- (.....)

- (ثم أجدُ نفسي وحيداً، عليّ أن أعودَ لزوجتي، سوف تهجم عليّ بكلِ مخالبِها، ستمزقُ جلدي. خميس سوف يُسّوقُ كذبي: ذهب إلى احتفال ولم يقدرْ على العودة للبيت ثم إنسابْ كالعادة نحو حانة، فتصرخ: أتتركني وحدي هنا؟ ليس معي سوى الجدران وبعض عطف الجارات، بل لم تكن وحدها، كانت تلدُ، النسوةُ أسعفنها، هناك البيوتُ والنوافذُ تتبادلُ الدموعَ والخبز والإبر. ثمة ابنٌ لي، أنا اللامنتمي صرتُ أباً، أنا الضائعُ في هذا الوجود مَددتُ جذوراً في الأرض الواسعة، لم أعدْ نطفةً، بل قبيلة.)

꧁꧂

الورقُ يتناثر، المراجعُ تحني الطاولة، الورقُ يتألق، القلم يفيضُ: الخَيّامُ يغني في أزقةِ المنامة، تَظهرُ أصابعُهُ الورديةُ في نسيجِ بني جَمرة الدامي وبغرقِ العذارى في البحر، القِصصُ تنطلقُ وتتفجر، تَتكشفُ الكاهنةُ الساحرةُ وألاعيبُها وخطفُها لقلوبِ الصبية، الأسواقُ الشعبيةُ تبكي في سطور الجريدة، ومحمود يحدقُ في حممِ هذا البركانِ التي تمشي وتكادُ تصلُ لمكتبه.

- (أنا بين فيوضٍ عدة!)

كلُ ليلةٍ قرب أصابعِها، ثمة امرأةٌ تتكلمُ في الفلسفة، زوجتهُ المشغولةُ بالطفلِ والفجلِ وصنعِ الأحرازِ للقبضِ على روحهِ الهاربةِ لا تكادُ تمسكُ ضلوعَهُ المتواريةَ في غابةٍ من العطورِ والحبقِِ والياسمين المخصصة لوردة، دَخلَ حديقةً وضاعَ فيها، رأى التلالَ، اقتربَ من السماء، عرفَ الفروقَ بين الحضيضِ والربيعِ، تفجرتْ كلماتٌ يوميةٌ كلها شجنٌ وحبٌ ونداءٌ لامرأةٍ ملفعةٍ بالضبابِ والأنوارِ، خميس يفجرُ بالوناً أمامه:

- (من هذه المرأة؟ وردة ليست هكذا، وردة كائنٌ بسيط، لماذا تحولُها إلى أسطورة؟!)

وحدهُ يشتعل.

- (أخشى أن وردةَ ليستْ من عالمِنا. طيفٌ نوراني قادمٌ من الألق، لحظةُ عطفٍ كبرى قدمَها الإلهُ لشخصٍ فقيرٍ معوزٍ إلى الحنانِ منذ أن ماتتْ أمهُ وضاعَ في الأزقة، لو أننا نستطيعُ أن نميزَ هذه المخلوقات، نُعطى إشاراتٌ لتمييزِها!)

خميس يلحقُ به. يرسمُ له لوحات كاريكاتيرية للبشر:

- (وردة أمها تهتم كثيراً بالأكلات الشعبية الدسمة، طلقتْ الخرافةَ سبع طلقات وتشبثتْ بالدراهم.)

الحانةُ المُحلِقة قربَ الغيوم تجمعهما وخميس يحولُ كلَ مارٍ لنكتة، وبصورتهِ المضحكةِ ذات الوجه الواسع والأذنان الكبيرتان، ينتزعُ من كآبتهِ انفراجة.

ويصبُ عليه ماءً ساخناً:

- (لو أنكَ أبصرتَ يا محـمد نصيبَ مديرَ الأعمال لصاحبتك الساحرة وكيف صار مقاولاً وصرافاً لبكيتَ على حظوظِنا في هذه الجريدة).

- (حَجَّموا قصتي من أجل إعلانه!)

- (أتوقع أن يعينونه مديراً لوزارة الأبحاث والعلوم!) 

꧁꧂

- (سيدتي حينما تأخذكُ الأشياءُ مني، تتخفين وراءَ الأغصانِ اليابسةِ، تطلقين الرعودَ من السماءِ الكريمةِ بالجمرِ والصواعقِ، حينما يخدعكِ المهرجون وباعةُ الذهبِ المغشوشِ والصرافون المتاجرون بالأنينِ البشري، وتتصحرُ المدينةُ فجأةً من الطفولةِ والألعابِ وتنتشرُ فيها أشباحُ الشكِ والخداعِ والمناوراتُ الحقيرةُ للسياسيين القساةِ وتكفُ الينابيعُ عن الحنانِ وحتى قلوب الأمهات تغدو من صخور، سيكون قلبي لكِ واحةَ حب، سترينهُ مُشّرعاً لأقدامكِ، مثل الحشائشِ الساكنةِ تنتظرُ ملمسكِ الرقيق، مثل خدِ طفلٍ يحبُ القمر، أو فراشة تصلي للضوء أو مثل محمد عاشقكِ ينتظرُ المطر).

꧁꧂

- (منشقٌ بين واحةٍ وإعصار، أظافرُ زوجتي راحتْ تتجولُ في صدري، تكتبُ خرائطَ حمراء، تهذي: أتتركني وأنا تحملتُ كلَ شيء، حينما كنتَ تمشي إلى عملك، حينما كنتُ أتسلفُ لكَ ثمن زجاجاتِ السمِ التي تشربُهَا؟ كنتَ تكاد تموتُ جوعاً وبكَ وحشية للجسد، ثم تنساني؟! أحضنُهَا بقوة: أحبك، أحبك، ولكن ثمة حبٌ أقوى تملكني! أنت بدايتي، حبي الطاهر الأول، فتخربشُ جسمي: بل قلْ عتبتكَ بعد عالم البغايا القذر الذي نقعتَ فيه. أردُ والدموعُ تنسابُ: بل أنت مثل أمي، أنت المرأة البسيطة التي رعتني بلمساتِها الحانية، بعفويتِها النقية، وكوتني بغيرتِها المجنونة، وقلبي لم يعدْ لكِ فقط، أنا أحبُ وردة، وسوف أتزوجها!).

يقبضُ على روحِهِ خميس:

- (ماذا تفعل؟ أتتزوج وردة وتترك هذه المرأة التي حنّتْ عليكَ وآوتك؟ وأي حب هذا الذي تتكلمُ عنه؟ وأين الشعارات النارية.. هل أحضرُ لكَ أبانواس؟ أكشفْ بالوعتك، تعرَّ، لست سوى حيوان!).

- (كفْ! يكفي هذا التمزق الذي أعيشه، كلُ جزءٍ من جسمي في مكانٍ بالأرض، على جبلٍ تأكلهُ النسور، وعند البر تفترسهُ القروش. لماذا لا تفهم زوجتي هذا الوضع؟ هذه المرأة العامية الأمية تريد المساواة المطلقة أيضاً؟!).

꧁꧂

- (بين الكبار أجدُ نفسي، بستانٌ وحفلٌ، وكؤوسٌ مترعةٌ تمشي فوق(الصواني)، والبدلاتُ الأنيقةُ والثيابُ العربيةُ الصحراويةُ منتفخةٌ بالهواءِ والغرور، ورؤوسٌ كثيرةٌ فارغة، ومحمود يقدمني لشخصياتٍ متفحمة تطلقُ آخرَ حرارتها، ولا ينقذني من العذاب سوى خميس الواقف بعيداً قرب شجرة يكاد يتوارى بها من الخجل!).

- (بين الصغارِ أمشي وأستنطقُ آهاتَهم، أكشفُ وجوهَ الحِرفيين في زقاقٍ طويلٍ معتم، وضرباتُهم على المعادنِ تثقبُ أذني.).

- (محمود يقول: أنت مدير التحرير وهذا مكتبك! أمسكُ القلمَ الأحمرَ وأشطبُ خطوطَ حريرٍ في وجوه الشباب. أمسكُ قصصاً مليئةً باللهبِ ونمورِ الغاباتِ المستأنسة وألقِ بها في السلة الضاجة بالمعاناة. في البستان أشربُ زجاجاتٍ مجانية، ومحمود يضحك، وثمة رجلٌ يرقصُ كامرأة، وثرثرة تصيبني بالغثيان).

يصوبون أصابعَهم نحوي، ينشرون وجعي، يضحكون عليّ هؤلاء المسوخ وهم يتتبعون كلماتي على الورق!

السيارةُ المليئةٌ بالوردِ وخميس يسوقُ ويضحك والموكبُ يصعد نحو تلة من النور، والبيتُ في الرفاع يجثمُ بين الشجرِ وحشدٌ من الصبايا والشباب والقمرُ يقفُ فوقَ الرؤوسِ على مرمى حجر، ووردةٌ هناك: أضحي بكلِ عمري من أجلِ أن أراهَا هكذا مبتسمةً جذلةً تتدفقُ بالحنو والألقِِ والوجود كله تحت قدميها!

- (فليحسدني العالمُ كلهُ، ورقي يطيرُ سعيداً منتشراً في كل مكان، سيمفونيات من وجوهٍ وألحان ونور تُرقصُ السيقانَ والأرواح، يا ليلتي العظيمة).

- (أصابعٌ حانيةٌ تلمسني برفق، الشمسُ لم تفجرْ نارَها بعد، الظلمةُ تمشي فوق الأرواح الناعسة، وردُ العرسِ مازالَ يعطرُ الأجواءَ بقوة، السريرُ ينتشي حباً، ماذا بكم تدقون عليّ الباب؟ لماذا تنزعونني من خلوتي؟ من هذه الليلةِ السحريةِ ونحن نحلقُ في عالمٍ آخر، نضحكُ ونثرثرُ ونقبلُ ونمضي معاً، لماذا أرى في وجوهكم البؤسَ؟ الأصباغُ إختلطتْ بالدموعِ والحفرِ في الوجوه؟ يقولون كلمات لا أسمعها، يهمسون بموتٍ في لحظةِ الولادةِ العظيمة، كأنهم مرعوبون من النطق، حتى أنتزعَ الضبابَ والبراكينَ من رأسي أحتاجُ للجلوس على هذه السجادةِ التي اكتوتْ بأقدامٍ وأحذية الفرح، حتى أستطيع أن أسمعَ عليَّ أن أنقعَ في ماءٍ من الثلج، وجوهُهم كبرتْ حتى صارت بأحجامِ شاشاتٍ واسعة، وأصواتُهم لا تجيءُ إلى سمعي، عن أي موتٍ يتحدثون الآن؟ خميس..! ما بهِ؟ وَدعني وهو مغمورٌ بنشواتِ الفرح، يمسكُ دفةَ القيادةِ ويرفعُ ذراعَهُ ويقذفُ وَرداً وقبلات في الهواء. مات!؟).

السيارة ترنحتْ في الطريق ورحل!

- (لو أنهم يَسكبون عليّ نفطاً! لم يجدوا إلا ذاتي الوديعةَ ينفذون عليها كل ما سجلتهُ الألواحُ القدريةُ البشعة؟! لمَ لمْ يختاروا شخصاً آخر؟ أأنا ينفذون بي حكم الأعدام في ليلةِ عرسي؟ لمَ لمْ أقل له نمْ هنا، تمسكْ بهذا الكرسي الواسع وابتعدْ عن الموت الذي أقامَ مصيدةً لك على بعد شارع! يا لأنانيتي نسيتُ كلَ شيء وقتلتُ رفيق عمري!)

- (لم أعد قادراً يا وردة على الذهاب للعمل، وشرب شاي الصباح، أبعدي يدكِ عن الزجاجة، لم أعد قادراً على النوم، كل هذه السوائل والحبوب والسجائر ورأسي مفتوحة للضجيج، أريدُ أن أسمعَ كلمةً واحدة فقط إن زوجتي لم تنتحر، إن ناراً غبية شبتْ في المنزل فجأة. إن تلك المرأة لم تمتْ من غيرةٍ أو كراهية، تلك الأصابع التي إنتشلتني من زقاق العبث، ماذا حدث؟ لماذا حين أحببتكِ قامتْ عليّ أعاصيرُ القدر؟ ماذا بقى لي، أنتِ، أنتِ، ابنائي الصغار، أنت تحضتينهم! حملتكِ كلَ أعبائي وكوارثي! ليلة العرس مأساة ويمتد خيط الأيام المرعبة بعدها!).

- (أغلقي البابَ يا وردة، النورُ يَصدمني. أريدُ أن أنام. البارحة زارني خميس، كان ممزقَ الثياب، مفتتَ العظام. السيارةُ إنقلبتْ به، وجثتهُ قفزتْ من الزجاج! ليس ثمة عدالة في هذا الكون، ثمة فوضى، ما فائدة العمل؟).

تحمله وردة إلى الشاطئ، يرى أن الشمسَ لا تزال موجودةً فوق البحر، أولاده يلعبون، الأسى الناقع في الأعماق مثل أمواج المحيط، الزجاجةُ لا تفارقُ أصابعه، ينهض، يمشي، يجري لصيد الكرة من أقدام صغاره.

- (يأخذني الليلُ وحيداً، الناس كلهم ناموا، وردة في غرفة أخرى لم تستطعْ أن تتحملَ كلامي وصمتي ودخاني. لم تعد تكلمني. تصيحُ بي: الثلاجةُ فارغةٌ، البيتُ بلا نور، ماذا بك؟ إلى متى تسكر؟ كلما قبضتَ على مالٍ إنطلقتَ لشراء الزجاجات الملعونة. احضنها بحبٍ غامر، تبتعد، انحني لأصابعها الرقيقة، لضوئِها الغامر، لجسدها حين يرتعش ويمتلئ بنور الصباح، لأصابعِها وهي تقدمُ الطبق، لكأسِها وهي تنادمني على التلة، على كرسيين يحيطنا الظلامُ والسماءُ والشجرُ والأشباح).

- (يدمدم محمود: محـمد ماذا بك؟ كنتَ تشرب وتلهو ولكنك كنتَ تكتب، كنتَ تبدع، تتفجر طاقةً وحيوية، أما الآن فتجيء للجريدة وأنت أشبه بعجوزٍ محطم، تكادُ تزحفُ على يديك! ماتَ خميس منذ زمن، حادثٌ وانتهى! هل تظل تندبُ طوال حياتك؟ ماتَ عندنا مناضلون كثيرون في الأحداث، ماتوا بسببِ كلامنا، فهل نظلُ نبكي طوال العمر؟ الشرطةُ جاءتْ بسبب مقالك العنيف في الهجوم على القدر والسماء، وبحثتْ عنك، قلتُ لهم أنا الذي أمرتهُ بالكتابة وتحملتُ عنك!).

تلملمُ وردةٌ أشياءها، تبحثُ عن كتبِها وورقها، إسطواناتها، هدوئها، سكينتها، يدي تتغلغلُ في روحِها، تنفضها، تحضنها فتضرب ساعدي بعنف، تصرخ: لم أعدْ أحتملُ رؤيتك منذ الصباح وأنت تسكر! تفتحُ الثلاجةَ لتخطفَ الزجاحة، أكلمُ الأشباح هنا، تغضنتَ مثل حية، وصرتَ تعرج، غدا وجهك المنير السابق متغضناً، أذهبْ عني، أبحثْ عن مقبرة غيري، أريد أن أنقذ نفسي من هذا البيت الخراب!

- (من يداوي روحي غيرك، أمشي في بريةٍ موحشة، في مدينةٍ تصحرتْ وصدأتْ وصارت هياكلها البشرية من الحديد والرصاص، يقولون: وردةٌ هربتْ منك. فتحتُ لها أحضاني وعالمي وكلماتي ولكنها لاذتْ بالفرار من الجسد الذي تسكنهُ أرواحٌ متمردة، كلها تضجُ في الليل والنهار، لم تستطعْ أن تسمعَ صراخي بعبادتِها، فأنا لم أُولد إلا لها، لم أبقْ على ظهرِ هذه الحياة البائسة إلا من أجلِها، فلماذا تعاقبني على حبي؟ إنها تقدرُ أن تعيشَ بعيداً عني، أن تحرقَ رسائلي، وتقطعَ الهاتفَ في وجهي، وتحبَ غيري! كيف تستطيع أن تحبَ غيري؟!!).

- (أين أنا؟ أنا في خرابة كبيرة، ما هذه الجثث التي تمشي، خميس يحدقُ في وجهي ويقول: لماذا أنت مصر على هذه العيشة؟ بين السجاد القذر والعيش الدنيء، وفي مجتمع الغربة واللاكرامة؟! استطعتُ أن أنبضَ، ولدٌ هنا، كتابٌ هناك، سراجٌ مكسورٌ ساقطٌ في زقاق، إستطعتُ أن أزحفَ في ممر الجثث، أراسلُ وردةَ كل يوم، أكتبُ عنها سطوراً ينتفضُ الناسُ من أجلها، لكنها لا تعبأ بي. لا أستطيع أن أعيشَ بدونها!).

- (فلتعطني السفرات تحليقاً بعيداً عن بلدة النسور والأفاعي. أتسول التذكرةَ وأحلق، المالُ يتبخرُ بين أصابعي، بين الغيم والكؤوس والشجر والزحام والخمارات الصاخبة والنساء الراقصات والأبقار المقدسة أتجول، أتحدُ بطمي الأرض، بالمطر، أكتبُ مرئياتي، أرسلها، محمود مات أيضاً، كان ينصحني بالكف عن السفر والشرب والوحدة مع الوجود! من كثرة الأكل وضخامة الجسم مات! وأنا عود شفاف سيموت أيضاً، مللتُ هذا العالم، سئمتُ تكرارَ كل هذه المرئيات، جنتي كانت مع وردة، احتضانها، الحديث معها، العيش قربها، حين أخرج رأسي من الظلام وأراها قربي يهدأ قلبي، كل غليان رأسي يبرد).

- (من هذا الكائن الشبيه بالضب ويلبسُ بدلةً قديمة؟ هذا الذي تعبَ من الأمراض والعمليات والغياب عن الوجود؟ هذا الذي توقفتْ أصابعهُ عن العزفِ على الكلمات؟ هذا الذي يشرب شاحنةً من زجاجات النبيذ الأحمر؟ لا يأكل ويتركُ أمعاءَه تتمزق من السكاكين؟ هذا الذي يرحل في المادة والغثيان والنأي عن المحبوب؟ أتصلُ مراراً بها ولكنها لا تجيب، هذا الذي لم يعد ثمة شيء يفعله، ويموت وحيداً، مثلما كان وحيداً في رحلته الطويلة المتعبة، يلتصق به الآخرون لكن لا يقتحمون قوقعته، وحدها دخلتْ إليها. الخط يُفتح، ثمة حركةٌ في الجانب الآخر من هاتفها، صوتٌ يقترب مني، لعلها هي! أرجو! أموتُ من أجلِ كلمةٍ منها، لكن هذا الحس ليس صوتها، إنه زوجها.)

يا للخيبة!

- (نعم؟ من أنت؟ ماذا تريد؟)

- (أنا محـمد..)

- (كيف أنتَ؟ لماذا لم تعدْ تكتب؟)

- (كنت أودُ أن أسمعَ صوتَ وردة.. صوت وردة، صوتها، وأموت!)

- (للأسف أنها ليستْ هنا.)

- (أيمكن أن تجيء؟ هل هذه خطواتها؟)

- (لا.)

- (بلغها تحياتي، أنا أغادر هذا العالم ولازلتُ أحبها.)

ينزفُ نبيذاً، يحلق، يسقط، يتقطع، الثلاجة مفتوحة خاوية، العمر ممتد خاو، الهاتفُ ساكن، يشرب، يشرب، ينزلُ الليل، يضيءُ النهار، تصيرُ الغرفةُ دامية، يتقطع، حتى يذوب ويتحد بصورتها.

  22  مارس 2014      ـــــــــــــــــ

10 – إنهم يهزون الأرض! «قصص»، 2017.

❖ «القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُ السعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبـَأً – إنهم يهزون الأرض! – حـُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماء – گبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار –أنشودة الصقر – غليانُ المياه».


حـــُـــــــلمٌ في الغسق ــ قصـــــــةٌ قصـــــــــيرةٌツ لــ عبـــــــدالله خلــــــــيفة


☷ حـــُـــــــلمٌ في الغسق 


همسَ له السكرتير:

- الرفيقان عزيز وحسين يريدان مقابلتك يا صاحب السعادة. هل أسمح لهما بالدخول؟

يرتفعُ صوتُهُ:

- يا رفيق أوقفْ هذه الطريقة ودعهما يدخلان بسرعة، وأنا لستُ صاحب السعادة!

هل كان له أن يتخطى كلَ حماماتِ الدم وخنادق النارِ والهياكل العظمية التي ما تزالُ تأكلُ البشرَ، ثم يقبعُ في هذا المكتب الفخم، الذي هو أكبر من شقته؟

الرفيقان إحتضناه وقبلاه بودٍ عميق. قال عزيز بعتاب:

- لم تحضر الاجتماع الهام والكل كان مذهولاً لغيابك!

- كادت السيارةُ أن تقتلني، فجأةً لم تعد فيها فرامل وحدث إصطدام، ولحسن الحظ كان في شجرة!

صاح حسين:

- بين يديك كل هذه المؤسسة وخيرات البلد ثم تركبُ هذه السيارةَ العتيقةَ وتسكنُ في العاصمة بشقةٍ في منطقة رثة؟

غضب.

لو تُعطى ما تُعطى من الأملاك ومن الأفلاك من أنت؟ حبةُ رملٍ في الكون، وبدوي يحملُ كلَ تواريخ النسورِ والجِمال التي حركتْ صفائحَ الأرض.

في غارِهِ المنحوت في صخرةٍ بإمتداد أصابع بيته وتتراءى الخرافُ والمراعي والنخيل والفخاخ المطبقة على أعناق الطيور. صارَ في ملكوتِ الأولياء.

يتجول في الأزقة، لا أحد يعرفه، طرق رثة، وجوهٌ من العظام والأقنعة، حمالون في جوف الليل، وباحثون عن الطعام في القمامات المدنية الواسعة.

في الصحراء البدوية قدرَ قاسم أن يوزعَ الأرض، وما زال التناءُ يحبونهُ رغم الرصاص الذي إشتركَ في نشرهِ في جسده، كان جسداً نحيفاً صوفياً هربَ من المقامات العليا حتى نزل في بدلة عسكرية مخرومة من كل ثقوبها الدموية.

وهم ماذا فعلوا؟ سبحوا فوق الجثث حتى وصلوا القلاعَ، ودخلوا القصورَ بعباءاتِ شيوخ القبائل، وباعوا اللوحات والتماثيلَ ولآلئَ السومريين الأخيرةَ على تجارِ السوق السوداء.

في هذه الحارات لا أحدَ يعرفه، ويطلُ الرفيقُ من جُحرٍ ويعانقه، ويهمسُّ في أذنه:

- ماذا فعلنا؟

- نحن في البداية، أصبرْ، مؤسستُنا تعمل بهمة.

أكتبْ من سبخِ الزنج، من شموخِ (العيارة)، وراءك ثلاثون قرناً من الحضارة.

على الورقِ، بين الكتب، والشخصيات المضيئة، والمجالس الهادئة، والسمك المسقوف والبيرة ونافورات الكلام، تكلمْ وتألمْ، حشودٌ ولا أحد، ثرثراتٌ وعقم، لا يشرب ولا يدخن، ولا يأكل إلا ليبقى رمحاً!

رفيقه، تلميذه شوكت، حرون، غريب، متوتر في مرآه، هذا النصلُ الذي إخترقَ أجسادَ الأعداء من صنعه، يجتمع في الكهوف، والأقبية، ويأتي ببدلةِ دم، وهو يقرأُ وهو يوزعُ الأرقَ والورق، هل يؤسسان فجراً؟

يكتبُ، يطيحُ بالمغارات والأتاوات، حين يذهب للبدلات الزرقاء المتشحمة دماً وعرقاً تمنعه الحواجزُ، تبعده المهماتُ والمكاتبُ عن الألق، تحبسه في دفتي كتاب، وضفتان تتدفقان حمماً.

يكتب، الورق يتألق، الكائنات في مستنقعات الملح تظهر، تلبس بدلاتها للسهرات في أضواء المدينة، خرق الحارة تعود للقصور.

عبدالخالق لم لا تكون خالقاً للخير؟

يكتملُ البيانُ النهري، يضرب الطوفانُ الضفافَ والمتاجرَ المغلقة والخلايا النائمة على العسل، والمخازنَ المهربة، يمشي بين الجموع الهادرة، يلتحم القلمُ الرصاصُ بالسحب الممطرة.

يتطلع المجتمعون إلى الورق بذهول.

صمتٌ عميق.

يكلمه عزيز:

- ماذا بك؟ أي كلام هذا؟

- هذا ما كنا نريده. جئنا من الطمي إلى هنا. تذكر البدو الذين أوصلونا لضفةِ المدينة، ونحن نكادُ نموتُ جوعاً؟ أتذكرُ الحصادَ والجثث المتناثرة؟

يلتفُّ حائراً قلقاً.

- أهدأْ، تكلمْ بصوتٍ خفيض!

الكلماتُ والأشواكُ تنهالُ عليه. أحسَّ بخطواتٍ تتبعه.

إجتماعٌ حاشدٌ، البدلات قليلة وعباءات الصحراء تمطرُ غباراً، والجبالُ تتغير وتوضعُ في المدن، شوكت يتقدم الصفوف، يقف له، لكنه يتخطاه، في الذروة، نظرات التلميذ والبائع المتجول والرفيق الهارب من المطاردة واللاجئ في منتصف الليل بحثاً عن وجبة وفراش، تزول، يتذكر أنه وجهّهُ نحو خصوم واختفوا، وكان شوكت يكتبُ أوامرَه كل يوم، وتنطفئ مصابيح، وتسود ظلمةٌ في حارات، ويتدفق أشباحٌ، ويُنتزعُ رجالٌ ونساء من أسرتهم، وكان الكتف ملتصق بالكتف، وعيونه تنتظر الكلمات لتسود هزة أو هبة، كل يوم يجثم متطلعاً إليه وهو يفكر، ويتساءل هذا الذي عبرَ المستنقعات والبراري أمن أجل الحرية أم من أجل ذاته؟ هذا المسكين المغمور بالسفر والغربة والجوع والذي آوتهُ الذئابُ في أوجارها والضباعُ في جحورِها أرأى عيونَ الرعاة المساكين؟

جلدُهُ الأسمر الملتهب بالشمس المنقوعُ في الخانات، الحابسُ أنفاسه بين الجثث والقتلة يبحثون عنه، أيمكن أن يكرهه؟

كتفان ألتصقا في أزقة ضيقة وكاد يخترقهما الرصاصُ، أيمكن أن يغدرَ به هو؟

يحسُّ بشيءٍ يسحبه، كائنٌ دخلَ في جسمه، كراتٌ كبيرةٌ حارة في وجهه، ينزل على البلاط المشتعل، يكشفُ الملثمُ عن وجهه، جمجمة وفراغ أسود، ثم رصاصات في عنقه، يتدفق سائل!

يصحو، مبلل، الكهرباء توقفت، الناسُ تضج في الشوارع والحاراتُ القريبة تستيقظ في جوف الحوت السابح في اللجج.

ضربات على بابه، كأنها كعوب البنادق، الكائنُ الحديدي الذي كان يراه طوال سنين ويحميه طوال سنين ويلتهم عنه الرصاص والغازات، يتصدع.

الثلة تهجم بضراوة عليه، ولا يزال نظره يحدق في الباب الذي إقتُلعَ من جذوره!

يتطلع فيه، من يكون هؤلاء؟ أحدث إنقلاب؟ يحاولُ أن يلملم شظايا رأسه وأمكنة أصابعه واليدان تُسحبان للخلف ويُطبق عليهما  قيد يحزُّ ظهرَه.

- من أنتم؟ لأي جهاز تعملون؟ هل حدث إنقلاب؟!

المشاوي التي لم يرها، البنايات الغريبة الدراكوالية المتصاعدة والحافرة لأعماق الأرض، الممرات المعتمة، والصرخات، والوجوه العظمية التي على حافة الجنون، ثم الزنزانة بحجم حقيبة سفر. الطوابيرُ التي تمشي نحو صحراء حارقة، تبدو السلاسل في الأرجل خطوطاً من النار.

كم مضى عليه؟

كيف إختلط الطعامُ بسم الإفاعي؟ أهذه جدرانٌ أم مادةٌ من لحمِ الرفاق والآخرين؟ أي رفاق هؤلاء؟ ذابَ عظمُهُ في خطوط الأعداء. يضحكون عليه من قبورِهم. يخرجون من مستنقعاتهم السوداء حاملين ورداً وكلمات! وصيحاتهم تتعالى في الكابوس:

     - تعالْ لنا يا عبدالخالق!

يهذي، يضرب ضلوعه:

     - إبتعدوا عني يا خونة!

سواعدٌ قويةٌ ترفعَهُ من حضيض سبخ الأشياء وسطح الدم اليابس، لا يزال يهذي بالحلم، النورُ الساطعُ يضربُ عيونه، يمسكُ الثيابَ الخشنةَ عساه يقف، يرتفع نحو الوجوه الأسمنتية، لا ثغرة فيها، يجرّنوه على أرض مسطحة، يقف، يُصعدونه نحو ذروة مبنى:     

     - يا للهواء المنعش، هذه رائحة بلادي!

يرى نفسه صبياً وهو يركض حاملاً الورقَ الذي يتخضبُ بدمهِ لكنه يوصله!

يمشي بين الردهات الواسعة، كان قصراً، لوحاتٌ كثيرةٌ لشوكت، وجهُهُ يتدفقُ منه نور.

وقف أمامه، بين ثلة من أحبائه، بين أصحاب عمره، لكن أين عزيز؟ وخالد وماهر؟ أين...؟

بدلاتٌ من جلد قروش البحر، وأسلحة، وشوارب كثة، ونظرات ميتة، كلهم يخافون من لمسهِ وهو المقيد الرث في بقايا ثوبه.

صمتٌ ثقيل. كأن البحر أُصيب بالخرس، وسكتتْ كلُ تلك النهارات والليالي الحافلة، ولم يبق فرقٌ بين الخلية والمقبرة.

 سمعَ دوياً في أذنه، والمحكومُ أستقبلَ رصاصاتٍ في قلبه.

يفضلُ هذه الرصاصات الجبانة، ويكرهُ الحبلَ الذي يتدلى حول رقبته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ



وتر في الليل المقطوع ــ قصـــــــةٌ قصـــــــــيرةٌ ツ عبـــــــدالله خلــــــــيفة


 

1☷   

    وضع الحصير في الحوش. جلب عوده وجلس. برودة الليل الربيعية تتسرب إلى نفسه. ينتعشُ ويرتعش ويعزف. يقول الوترُ: لتكن ليلة مباركة! تئن الأوتارُ بين قلبه ويده، وهي تتذكرُ الدروب المعتمة، والحَمَام الذي لا شكل له، وروائح المرأة غير المرئية، وضجيج البحر..

    منذ أن ألقي في العالم وهو يتلمس الأشياء، يحبو في الحوش، ويفتح الباب ويمشي في الحي، ممسكاً الجدران، ويروحُ يتلمس البيوت، كلُ الأبواب والجدران متشابهة، خط طويلٌ من المنازل، وكأنها صف من العساكر المشدودي الأجساد، لكنه يلمس الفروق بينها، ويدرك إنه وصل إلى بيت البائعة حصة، أو تجاوز بيت علي الناطور..

    يسمع خطوات أمه تقترب، تقول:

    ـــ ألا تريد شيئاً؟

   ــــ كلا.

    ــــ هل ستخرج الليلة؟

    ــــ نعم. قال فضل إنني سأغني في حفلة كبيرة.

    ــــ لا تشرب الخمر! لا تغني لهم كثيراً، عندما تأتي في كل فجر يكون صوتك مشلولاً، لا أريد أن أفقد صوتك أيضاً..

    ــــ انت تعرفين إنني لا أشرب ولا أدخن..

    ــــ لا تستطيع أن تنظف غرفتك تماماً، هناك دائماً علبٌ  في الزوايا.. يا للروائح الفظيعة، كيف تطيقون هذه الأشياء!

    أمه مسكونة بالمخاوف والقلق، كثيراً ما سمعها تتكلم لوحدها ساعات طويلة. حين يباغتها تدعي إن إحدى الجارات كانت معها، لديها مراسلاتها الدائمة مع أزواجها السابقين، كان أفضلهم هلال الذي يظل صامتاً دائماً، وينهض منذ الصباح ليقفز إلى اللوري، ويأتي في المساء في سحابة من الأسمنت، ويسمعه وهو يغتسل ويزيل الأوساخ. دون أن يدندن، أو يتأوه بموال بحري ما، ويشم رائحة دخانه النفاذة، وفي الأحوال النادرة التي ينطق فيها يسمعه يتكلم عن "العبيد" عن سلاسل غامضة من البشر، جاءت من أفريقيا ونشرت الرقص والغناء. وفي إحدى الصباحات لم ينهض هلال من رقدته، ظلّ على سريره، وحين صرخت أمه، وتحسس جسده، ذهل من قامته الشامخة، وعضلاته القوية المنتشرة في كل مكان، وأستغرب كيف يمكن لهذا الرجل أن يموت بهذه البساطة والهدوء؟! وفي الساعات التي تحدثه فيها أمه عن عمه السابق، لا يسمع أيضا صوته، أيكون حقاً هناك، أيكون جاثماً قربها، ويجلس مسترخياً ومصغياً، دون أن يدخن؟!

    يشمُ رائحة طبق الفول يجلسُ قربه، ولا بد أن يكون الشاي معه. يتحسسُ بيده، فيجدُ الخبز الساخن أيضاً، تقول:

    ــــ ولماذا فضل دائماً؟ إنه يريد سرقة بيتنا، ربما سكرت فوضع إصبعك على ورقة ما، كم أحتال على الكثيرين وسرق بيوتهم، تعرف كيف سرق بيت المؤذن يعقوب..؟

    ــــ ولكن لماذا الخبز الحار.. قلت لك لا تتعبين نفسك!

    ــــ لقد خدعه واشترى بيته بثمن بخس، ثم أقام عمارة مكانه سدت النور علينا..

    ــــ لم ألحظ غياب النور..

    يذوق الشاي بمهل. أحياناً يأتيه النور في لسعات خاطفة، مثل ضربات مشتعلة في الظلام، أو نوارس تصفق، كما لو أن عود كبريت يقترب من وجهه، أو تنوراً ينفتح.. سئم الغلاف الأسود، سئم هذا الرماد والفحم المنتشر في روحه، كان زوج أمه الأول الشرير يضحك على عماه، حلما يمسكُ شيئاً ساخناً ويسقط، أو حين يصطدم بالأعمدة والأبواب. كم كانت تلك الضحكات تنشره، وتنثره وتحبسه في الغرفة. يسمع صخب الأولاد ولعبهم بالكرة، وفرحهم بالأهداف، فيمسكُ الجدار ويتحسس طريقة إليهم، وكانت المباراة تقام بين صفين من البيوت، فيدخل المباراة ويضع الكرة في قدمه ويمسك الجدار ويتقدم مثل صخرة عاتية إلى الهدف.

    إن جسمه قوي وضخم، وصوته رقيق ومؤثر، وهو حين يمسك العود ويصب الأغاني في قلوب السامعين، يدهش منه، ولكن لا صوت نسائي يقترب، ولا رفة من حنان تبل صدره. حين يمسك ملامح وجهه، يدرك كم هي متنافرة، فهذا الأنف الضخم، واسع المنخرين، وهذان خدان غائران، وليس ثمة شعر يظهر تحت الأنف فيخفف من غلوائه، وهذه عظام ناتئة ترسم الوجه كله فلا بد أن يخيف أي امرأة.

    في أيام لعبة لكرة القدم، كان الأولاد يأخذونه إلى بقعة بيوت السعف، ويصفون له كل شيء: الرجال المتجمعون عند الأبواب، النسوة المتجمعات في إحدى الغرف، ويسمع واحدة تسخر:

    ــــ حتى العميان صاروا زبائن لنا، يا للحظ!

    صار جلده مدبوغاً بغضاريف التماسيح فلا يأبه لغمزات النسوان، أو قشور اللوز التي ترمى في وجهه، واصبح يعرف من القادم، أو إذا كان أحدهم يسخر منه فيحرك يده في وجهه، وقد عض أصبع أحد المتلاعبين وكان درساً بليغاً للتافهين.

    سمع عجلات سيارة تتوقف قرب البيت، وبوق قوي يدعوه. إذن هو الحفل والمبلغ والعلب الممتعة ونزيف القلب!

    أخذ عوده وقام. خطوات أمه وراءه، فتحت الباب قبله، وخاطبت فضلاً وهو جالس في مقعده، وقد أنزل الزجاج وراح يدخن ويتمعن في بيوت الحي:

   ــــ لا تتعبوا أبني كثيراً يا فضل، دعه يأتي مبكراً..

    ــــ إن فرحان في عيوننا!

    مشى بحذر الى السيارة، ودار حولها، ووضع العود في المقعد الخلفي، وجلس في المقعد الأمامي، وهو يدرك إن امه لم تغلق الباب بعد، ولاتزال تحدق فيه وكأنه فرخ، وهو تعبٌ من كل هذا الاهتمام، وشعر بالراحة والسيارة تندفع في زحام المدينة، وليلة الجمعة حافلة بالحشود، ويشعر بجسم فضل الضخم وهو يكاد يتنفس ويزفر بطريقة غريبة، كأن أحداً يضغط على صدره، ويسبح بصعوبة في مياه الدخان، كما كان زوج أمه هلال، له زفير غريب يقلقل الليل، وفي جنازته سمعهم يتحدثون عن الأسمنت والنوره، كانوا يضعون أكياس ورق على رؤوسهم ويحمّلون، وها هي ضجة المدينة تخفت قليلاً، وتقل الوقفات عند إشارات المرور، وتندفع السيارة..

    قال فضل:

    ــــ ستكون حفلة عارمة، ابحث لك عن وليف!

    ولعلة الآن يبتسم، يعلم أنفاس اللغة، وعند كلمة وليف إنفرجت شفتاه  ولاشك، وظهرت خطوط مسترخية في وجهه. يشعر باللغة والعواطف في تبدلات الهواء وأصوات الأشياء، ويدرك كم هؤلاء البشر محدودون في مشاعرهم وأفكارهم، ويستطيع بسهولة أن يلتقط دواخلهم، فيقولون إنه ساحر، وإنه مثل أمه، أمه المريضة من موت الأزواج الدائم! تقول في حواراتها معهم إنهم مقتولون بالتعاويذ الشيطانية، فهلال جسمه ملئ بالمسك والعنبر، وقد غارت نساء الحي منها، وعملن له عملاً اودى بحياته في عز شبابه. تصيح وتعول: لم يكن يؤذي حتى النمل!

    بدا له أن السيارة تنطلق في شوارع خالية تماماً، ثمة هدوء شامل في المكان، وبرودة تتسرب من النخل وجداول. سمع نقيق ضفادع ونداءات جنادب شبقة.

    كيف يبدو الليل في الريف؟ هل القمر كبير في السماء؟ وكيف تتشكل النجوم فوق قمم النخيل؟ لو أنه قال لفضل: صف لي المكان والإعالي لضحك عليه، هو رجل مريض، يندفع فمه دائماً الابتسام سخرية من كل شيء، لا يتحدث جاداً إلا عن النقود، لا يدري به إلا حين يحتاجه، وحين سأل هو عنه مرة باشتياق، ذهل، وبادر إلى القول بأن الحفلات إنعدمت وهو ليس معه سيولة..   

                                   2

    توقفت السيارة عند أريج عطر لمكان، وفتح بابٌ بالتليفون والأزرار، ومشت السيارة في ممر تحف به الاشجار، تبدو اشجار تين ولوز، ثم جاءت أصواتُ ضجة من بعيد، وهدير ماء يصبُ في بركة.

    يقوده فضلٌ الى الجمع، يرهف السمع الى الأصوات الحاشدة، ثمة رائحة شواء، هو خروف ضحية لهؤلاء، الضجة لا تخبو إلا قليلاً، فضل يقول:

    ــــ لقد أحضرت لكم مطرباً رائعاً، يحفظ كل الأغنيات المشهورة..

    يسمع دبيب همس بعيد:

    ــــ أفضل ما فيه إنه أعمى!

    ــــ هنيئاً للمحصنات!

    يضحكون لأي كلام، كأن احداً يدغدغهم جميعاً. تقترب منه رائحة نسائية متواضعة، كؤوس دانية ومضطربة، يأخذ علبة، وثمة ثلة تقترب منه، وامرأة ورجل يثرثران ويضحكان:

    ــــ أيها الكهل المراوغ، لا فائدة منك ابداً، كم مرة وعدتني..

    ــــ لا أستطيع، زوجتي شريكة لي في أعمالي، سوف ينهار كل شيء!

    ــــ إذن لا تقترب مني..

    يمضي في دندنته، ينشر الأغاني المحفوظة، التي تحرك الجمع وتجعله يتأوه ويرقص ويثرثر وينسى. لم يستطع عزفه أن يقرب أزواج أمه منه، كان أول عود مصنوع من علبة تنك وعليها أوتار، وكم عزف قربهم دون أن يتأثروا.

    يغيبُ عن الناس، فلا الظلال ولا الأصوات ولا الروائح معه، يحكي الوتر وحدته، أنينه الطويل في الفراش، والملاعب التي لا يستطيع أن يمسك فيها جداراً الآن، وأمه سرب الحمام الذي يحيطه، والحي الذي خلا من الأصدقاء وجاء الغرباء من كل مكان.

    يمضي الوتر يشق صدره ويلقي بقطع روحه المضرجة والمفتتة في الحوش وفي البركة الصامتة، ويمد يده يمدها لصبية من وراء الجدار، من داخل التنور، فيشعر باللسع..

    يرهف السمع الى الهدوء الذي انسن الحشد، فلا مضغ، ولا تأوهات، ماذا حدث هل استساغوا هذا العزف المرير؟ ثمة صوت هامس بعيد يمزقه:

    ــــ أي مغنٍ ممل هذا؟!

    وينتشر صمتٌ آخر مريب، وثمة دغدغة حسية في الجمع، وكأن الأمعاء تحولت الى طبول، وهنا رائحة غريبة عطنة تقترب، وبدأ الهمس يصيرُ ضحكاً مكتوماً. وأخذت الرائحة تصيبه بالغثيان، وأدرك إن ثمة رجلاً يقترب منه، وأن الجمع يراقبه، وهو مشدود الأعصاب إلى حركات الرجل، وإن المتقدم يسخر منه، وانفجرت ضحكات وحيدة لم تصمد لطرافة المشهد المتصاعد، وعرف بأن الرجل يقوم بحركات مشينة، فتصاعد فيه غضبٌ عنيفٌ، وكأن طبولاً من الأدغال تشعله، وكل هذا الظلام يصير حراباً في عينه، فأطبق بأسنانه على جسم المتلاعب..

    كان صراخُ الكهل، وفيضُ الدم، وصيحات الحضور وصراخاتهم العنيفة وضحكاتهم، وامرأة مثل النمرة انقضت عليه وعضت أذنه بحدة، ويسمعها تصرخ وهو يلقيها من فوقه كالقطة:

    ــــ ذبحتني أيها الأعمى!

                                           ☷ 3

    يدندن على العود، الذي لم يعد يستجيب له، ويطربه. مضت شهور غريبة قضاها في السجن. لم يشهد أحد من الموجودين إن الكهل كان يسخر منه، حتى فضل أنكر، وقال إنه أعمى ويتوهم. كل شيء لم يعد يستجيب له. كانوا في السجن يغنون، ويعزفون على أعواد من تنك، ويفرحون بين تلك الجدران، لكنه لم يغن. كل شيء صار صعباً، الحي أزداد ازدحاما، والغرباء صاروا جيراناً، وغدا الجيب فارغاً. أمه لم تعد كما كانت، أصبحت تمشي ببطء وتسعل وتكثر من الأحاديث مع أزواجها السابقين، وكأنه كان يسمع هلالاً يتكلم معها، كم اشتاق إليه! راح مرة يزحف ببطء نحو غرفة أمه، وأصغى الى أصوات غريبة، ثمة هينمة وهمس، أيكون ما يتخيله حقيقياً، أم هو قد بدأ يفقد عقله؟!

    يدهش من فضل الذي أخذ يزوره مراراً، يعتذر كثيراً عن خذلانه، كان يقول: أولئك كلهم كبار وتجارتي وأعمالي معهم، أتريدني أن أشهد إنه كان يسخر منك؟ ولماذا تفعل ذلك، وبالأسنان؟! في سجنه كان يمر على أمه ويأتي بها الى مواعيد الزيارة، وكانت تناكفه. هي الوحيدة التي كانت تخترق وحدته، وتدس الطعام في فمه. وزعم السجناء إن شبحها، بعباءتها السوداء، كان يحوم حول المبنى. أرهقه هذا الحب. وتراكم الحصى والطين في نفسه، طبقات من الشكوك والخوف من الهواء والأصابع والهمس والضحك، ويدهش كيف كان في فتوته يقود الدراجة ويلعب الكرة ويذهب للتعلم ويضع أصابعه مكان عينه، ويقرأ ويتوغل في المدن والغابات والحكايات، والآن لا يطيق شيئاً. كان مذاق الدم كريهاً، ولا يزال يحجز طعم الخبز والورد.

    قالت أمه:

    ــــ كيف سنعيش يا فرحان، ليس في البيت شيء، لماذا لا تذهب للحفلات؟ لماذا لا تغني، طوال اليوم انت جالس في فراشك، وحتى الراديو أغلقته..

    بعد أيام أحس بلمسة جديدة في البيت. هتف في روحه: في بيتنا عطر! كانت مكنسة من القش تزيل البقايا، وتجعل الحوش الترابي مبلولاً ومزروعاً، والفتاة الخادمة تدخل غرفته، وترتب ثيابه، وتجلب أكله، ويرهف الى صوت ناعم، والى ثرثرة محببة، ولا يقول لأمه من أين هذه المصاريف، بل يمسك العود ويدندن، ويتذكر لماذا كان السجن كريهاً، وهؤلاء الرجال يحيطون به، وتلك الأنفاس والمضمضات الطويلة والزغاريد الذكورية المفزعة 

ومعزوفات الشخير، ويدرك الآن إنه لم يعرف المرأة، لم تلفحه هذه النسمة، ولماذا كان صخراً متحركاً، وعاجزاً عن الغناء الطالع من القلب، ولماذا تراسل أمه أزواجها السابقين، عبر الموت والحياة، ولماذا كانت حنجرته مؤجرة دائماً، ولماذا عض الكهل..

    وهو يجعلها تقوده إلى خارج الغرفة، يتحسس هذه الأعضاء المرهفة، يمسك اليد الصغيرة الطرية، فيمضي إلى الحفل، وينضم إلى العازفين، ويعود في الليل الذي تضوعه أزهار الياسمين، وتفتح له الفتاة ويحس بعطرها المخدر، ويضع في يدها حلوى من الحفل، فتضحك..   

    يقولون له في الفرقة: كثيرٌ من العميان نجحوا في هذه الموسيقى الآلية، وهم يُطلبون في البساتين، ويملأون جيوبهم، ويستأجرون سواقاً، ويجلسون في المقعد الخلفي، وهو يصغي الى كلمات الغناء الباهتة، وتتقيئهم الحفلات في وجه الفجر، والحشود ترقص على إيقاعات القرود، وما يصل إلى الصفوف الخلفية من العازفين يتبخر مع دخان السجائر، والليل هو النهار، والحي هو السجن، ولم تعد أمه تكلم الموتى، بل تجمدت في سريرها، وتاه لسانها، والزحام يشتد، والضجيج يصل إلى السرير، والخادمة جافة، تحولت الى مكنسة وغسالة، وضمها مرة بقوة فكادت أن تصرخ!

    ينزل من السيارة، وينتظر أن تفتح الخادمة، ويتمكن من هصرها بين ساعديه، ولكنها لم تأتِ، وبدا الحوش مقفراً، وثمة أصوات غريبة تأتي من غرفة أمه، هل عادت إلى الحديث مع أزواجها؟ ما من مرة تحدثت مع أبيه، وجعلته يكلمه. ويصغي إلى تأوهات اللذة تتصاعد من أعماق الحجرة، ينتظر لحظة مذهولاً، حزيناً، مستثاراً، ثم يقشعر غاضباً، وكأن موجة وحشية أخرى تستولي عليه، ويندفع وهو يجأر، فينفلت مخلوقٌ أملسٌ من بين ذراعيه، يقبض عليه والرجلُ يصرخ ويكاد صوته أن يُجتث من جسده حتى يلقيه في الحوش مثل خرقة..

                                      ☷ 4☷   

    البيت أعمى وأخرس. تحيطه بقايا كثيرة. ظلمات مركبة تنزل على عينيه، لم تعد ثمة شمس يشعر بلمسها، وأمه متجمدة على الفراش، يطعمها، يكلمها، يحدثها عن أزوجها،  تهز أصابعه، وتحفر فيها، لا يعرف ماذا تريد، أحياناً وامضة ينفجر حرفٌ من صدرها، يحملها إلى دورة المياه، يغسلها، يلبسها، يهدهدها بالأغاني، غدت خفيفة، وماتزال إشاراتها تحفر يده، يقول:

    ــــ لم أعد مهتماً بالنساء، ولا أريد أن أتزوج، كيف يمكن أن يحدث ذلك، هل أنت عاقلة، كنت دائماً تحدثين الموتى، طوال عمرك كنت مجنونة، انظري إلى الخرابة التي  صنعتها، ذهبتُ شهوراً أخرى الى السجن، وفجرت الدماء من حولي، لا، لا، لن أضرب أحداً، لا تحفرين في يدي، لا تحفرين في يدي! نعم، نحن نعيش على أطباق الجيران، من بقى من أهل الحي؟ نحن باقيان في بيتنا، في أرضنا، الضجيج حتى في الليل، الغرباء بدأوا يأخذون أحجار جدارنا، وفضل يأتي اليّ في كل يوم، ويريد أن أبيع البيت، كلما أشترى بيتاً أزداد الغرباء، لا لن أبيعه إياه، اطمئني، ماذا تقولين؟ تخافين عليّ، سأبقى وحيداً؟

    ينهض، يمشي في الحوش، يرفع رأسه وكأنه يتأمل النجوم، ماتت تلك الخرزات الملونات، واستباح الرمادُ الكون. يلبس البدلة، يتحسس ربطة العنق، ويصغي الى عجلات السيارة القادمة وهي تدخل الحي، دبيبُ محركها يعرفه، يمسك العود من عنقه.

    لم يمت الرجل الذي هصر عنقه، ولكنه أخذ بعض الذكريات الدائمة في جسده، ألم يكن بإمكانه أن يتركه يستمتع؟!

    يصفر ويفتح الباب..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

سيد الضريح (قصص)، وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2003.

 (القصص: طائران فوق عرش النار ـــ وراء الجبال ـــ ثنائية القتل المتخفي ـــ البركان ـــ سيد الضريح ـــ وتر في الليل المقطوع ـــ أطياف ـــ رؤيا ـــ محاكمة على بابا ـــ الحارس).


     

السبت، 10 يناير 2026

قبضة تــــــــــــــــــــــــراب: قصةٌ قصـــــــيرةٌ لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

 


كانت زرقة السماء مشوبة بنورٍ فضي شفاف . وثمة عصافير تتشاجر في دغلٍ مهجور . كان الطريقُ إلى المدرسة ترابياً ، متعرجاً ، بين مستنقعات آسنةٍ ، من بقايا المطر ، وأكوام أنقاض .

حملت الريحُ غناء بلبلٍ حزين . وبدا المرتفعُ بعيداً وقاسياً . وكأن الهضبة التي صعدها ركضاً استحالت إلى جبلٍ شاهق . رمق الحاجُ فاضل سورَ المدرسة المرتفع ، وأسلاكه الشائكة الصدئة .

سعلَ وتأوه ، وجلسَ على التراب ، ورمقَ الخضرةَ البعيدة الكالحة والمتوارية ، والسماء العميقة الزرقة ، بدت بيوتُ القريةِ المتراصة كمعسكر للاجئين .

اقتربت يدهُ من التراب ، تغلغلت أصابعهُ في مسامهِ . كان بارداً وناعماً وحنوناً .

توكأ على غصنٍ صلبٍ ونهض مرةً أخرى .

دخلَ المدرسة الهادئة ، كانت الجدران القديمة مليئة برسومٍ لم يرها من قبل ، وكانت التلميذاتُ محتشدات في الصفوف الصغيرة .

قادته الفراشة إلى مكتب المديرة . جلس على كرسي خارج الغرفة ، وهي بجانبه . سمع صوت آلة موسيقية في نهاية الممر ، ضجت التلميذاتُ بغناءٍ غريب . شعرَ برجفةٍ .

أدخلتهُ الفراشةُ على المديرة . أبصرَ ، في الغرفةِ المضيئةِ ، امرأة شابة ، كانت منحنية فوق ورقة كبيرة ، وتضعُ إشارات بقلم . كانت حاسرة الرأس ، جميلة الوجه .

تنحنح والقى التحية ، لم ترفع رأسها ، وسألت :

- ماذا تريد ؟

كان السؤالُ حاداً ومباغتاً .

لم يجبها . تطلعَ إلى الغرفة المليئة بالكؤوس والخرائط والصور والكتب وبعض الآلات الموسيقية .

سألت وهي ترفعُ رأسها :

- ماذا تريد ؟

ثم استدركتْ :

- تفضل ، تفضل !

واصلت وضعَ الخطوط فوق الورقة ، وبدا كأنها تنتظرُ طلبَ العجوز بإلحاح شديد .

- هل ثمة مشكلة ؟

- إذا كنتِ مشغولةً يمكنني أن أحضرَ مرةً أخرى ؟

قالها العجوزُ بهدوءٍ شديد أوقف صرير القلم . وكان يعلمُ إنه لا يستطيع أن يصعد الهضبة ثانية .

- ماذا لديك ؟ قل إنني أصغي إليك ؟ هل لديك بنات هنا ؟ هل عملت أحداهن مشكلة ؟

كان معها مخططٌ للمسرح الذي تعتزمُ إقامته . رغم إنسحاب تلميذات كثيرات ومدرسات ، إلا أنها أصرت على الاستمرار . والآن هذا العجوز أيضاً !

- إذا كنتِ مشغولة يمكنني أن . . أحضر مرة أخرى ؟

ابعدت المخطط باستياء . . وعقدت ذراعيها فوق صدرها . وقال بخفوت :

- إنني . . أصغي . . إليك !

- أنت المديرة الجديدة . . أليس كذلك ؟

- ماذا تريد ؟ ! ترى إنني مشغولة !

سعل بشدة وبدا كأن صدره يتمزق .

قال :

- ثمة ضجة ما في القرية . كنتُ في مجلس الحاج عمران وتحدثنا طويلاً عن المدرسة . كان هناك العديدُ من الشبان الغاضبين ، على هذا الغناء المتصاعد في المدرسة . . وهذه الآلات . كانوا يريدون الاندفاع إلى الصفوف وتحطيم كلَ شيءٍ . .

وراح يسعلُ ثانية . تطلعت إليه برعب ، وغضب ، ووضعت أصابعها على الهاتف . ماذا يجري هنا ؟ جاءت بحبٍ ، وعملت إلى المساء . تمضي إلى بيتها واهنة . وأبوها يتطلعُ إليها باستياء . مرة تأخرت حتى الليل ، فجاءتها حصاة !

يقول :

- لم أدعهم يصرخون . جئتُ إلى هنا . منذ سنوات طويلة لم أصعد إلى الهضبة . كنتُ اندفعُ فوقها وأنا شاب . . أركبُ الحمارَ . . ونجري معاً . . والحصى يتطايرُ . . تحتنا . . لم تكن الهضبة هكذا . . صارت جرداء . . جرداء . . ليس ثمة سوى . . الأدغال المهجورة . . والقططُ الشرسة . . كانت هذه الأرضُ . . أيتها المديرة . . خضراء . . مليئة بالأشجار والينابيع . .

الآن . . كل البساتين . . التي كانت . . غدت أرضاً . . قاحلة . . لم يبق سوى بضع بساتين صارت فللاً يسكنها غرباءُ . . لو كنتِ . . تقفين فوق . . سطح المدرسة . . لرأيتِ القرية . . بيوتاً كثيرة متزاحمة . . وتلك البساتين القليلة تحوطها من الشرق . . إلى الغرب . .

كان يتحدثُ بصوتٍ متقطع ، عميق ، وكانت يدهُ التي يضعها برفق ، على المكتب ، تبدو صلبة معروقة ، كأنها أرضٌ محروثة .

ولأولِ مرة يجعلها صوتهُ تسترخي . . ويفلتُ القلمُ من أصابعها ، وتفكرُ لماذا يتكلم هكذا ويجيء إليّ وهو يكادُ يحتضرُ ؟ !

أحستْ الآن بقوةِ المكان . ليستْ هي في مدينتها الجامعية ، ولا في رحلة . وغريبٌ إنها لم تذهب أبداً إلى القرية ، ولم تصعدْ إلى سطح المدرسة ، حيث تجلسُ بضعُ مدرسات في غرفتهن .

لامس ظهرها جلدَ الكرسي . وأصغت باهتمام إلى ما يقوله العجوزُ :

- كنتُ هنا . . قبلك . . لدي كوخٌ . . لتحفيظ القرآن . . وكم ألهبتُ الأيدي . . والأرجلَ بعصاي . . اللاسعة ! وكم هاجمتُ . . الرجالَ . . والنساءَ . . بسياط كلماتي ! . . ثم سافرتُ . . إلى الدنيا . . ورأيتُ . . وشربتُ . . وغنيتُ . . وقامرت . . وتبتُ . .   وتزهدتُ . . وحاربتُ . . ورأيتُ أكداساً من البشر يُلقَــَون في الحفر . . وجئتُ . . ورحلت . . وتزوجتُ ثلاثَ مرات . . ونصف القرية أولادي . . وأحفادي . . كانت هذه البرية . . الجرداء . . كلها حدائق لنا . . والآن . . لا مكان . .يأويني . . غير مجلسٍ . . ممتلئ بالرجال . . دائماً . .

 توقف قليلاً . بدت المديرة تحسُ بالألم والقلق . عندما عـُينت في القرية ، أصابتها بهجة شديدة ، واندفعتْ بسيارتها عبر الشوارع المزدحمة والبساتين ، وصاحت : سأكونُ شعلة من الضوء والعلم ! والآن هذا الرجلُ الأشيب وكلماته المتجرجرة كأنها رصاصات توجه إلى حلمها . كيف ابدأ من قبل الصفر ؟

رمقها العجوزُ لحظة ، وواصل حديثه :

- البارحة . . هتف الشباب . . وصرخوا . . أرادوا . . أن يحملوا . . النارَ لحرق المدرسة ! . . هدأتهم . . في الليل . . لا نستطيع . . أن ننام . . موسيقى الغرباء . . تضجُ في . . الظلام والصمت . . البارحة . . بعد أن خرجتُ . .   من مجلس الحاج . . عمران . . سرتُ نحو بستاني القديم . آه أتذكر هذا . . المكانَ . . هذه أرضي وأرض أبي . . طالما حرثتُ وحفرتُ وسقيتُ . .    وتسلقتُ الأشجارَ . . في تلك البقعة . . التي صارت . . بركة . . الآن . . سقطت أمي . . نزل أبي من فوق النخلة . . على أثر صراخنا . . كنا وأخوتي . . نلهو في الجدول . . وإذا أمي تسقط . . وهي تحملُ . . صرةَ الأكل . . حملها أبي . . إلى الكوخ . . حيث ماتت هناك . . على أرض الكوخ كانوا . . يرقصون . . وكانت تنطلقُ . .  موسيقى زاعقة . . عنيفة . .  منذ زمنٍ بعيد . . حاولتُ أن . . أجمعَ . . نقوداً . . لشراءِ . . هذه الأرض . . ولكني . . لم . . أستطع . . سا. . فرتُ . . تغر. . بتُ لك . . ني . . كنتُ . . أودُ . . أن تكون . . هذه . . القريية . . جنة . .عملتهم . . حفظتتهم . . القرآن . . ولكن كأن . . شيئاً . . لم يكن . . هذا . . البستان . كان ملك . . أبي . . وعند .. ما . . طردوه ه ه ! تعلمتُ . . كلَ شيءٍ . . من أجل . . أن . . أجمعَ ثمنه . . ولكن . . ها هو . . العمرُ . . يمضي . . وليس . . لي . . مكان . . أنامُ . . فيه !

صمتَ برهة . . وجدتــَها طويلة . . إنه هادئ في حزنه ، ولكن عينيه الصغيرتين المحاطتين بأخاديد وظلماتٍ تتألقُ فيهما شرارة من فرح غامض .

تطلعتُ إلى العجوز مباشرة ، ورأتهُ يحدقُ فيها بودٍ غريب ، وسمعته يدندن .

كان يتذكر حينئذٍ مجلسه في ذلك الكازينو ، والمغني يصدح ، وكان الجبلُ شاهقاً ، والمدينة تحته مليئة بالأضواء ، وكأنها درٌ منثور . رفع الكأسَ في صحة الجبل والغيم والغناء الشجي ، وصفق وغنى ونزل ، والضبابُ يشعشعُ في الفجر البهي .

كأنه قال شيئاً ولم تسمعه ، وخاطب امرأة مبهمة . نهض ، حياها بخفوت ، ورأت اليد الأخرى قابضة على شيءٍ ما . سار في الممر ببطءٍ . كانت الفسحةُ قد بدأت ، وجسدُ المدرسة الحي يضجُ بالضحك والصراخ . أحاطت به ثلة من الصغيرات . رأت ، من النافذة ، كأن قبضته تسترخي فجأة ،  وتتساقطُ غيمة ، أو حفنة من تراب .

ـــــــــــــــــــ

4 - سهرة «قصص»، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1994.

❖ «القصص: السفر - سهرة - قبضة تراب - الطوفان  - الأضواء - ليلة رأس السنة - خميس - هذا الجسد لك - هذا الجسد لي - أنا وأمي - الرمل والحجر».


الخميس، 1 يناير 2026

ادب البحرين ورموزه المضيئة


 ادب البحرين ورموزه المضيئة



الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

الدرب ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة

                     الدرب  ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ                     


إلى أين يسيرُ هذا الطابورُ الدامي الأقدام ؟ 

لا أثر للقرية أو القصر أو البحر أو الحدائق أو النسمات الشمالية ، تلالٌ من الرملِ وحقلٌ من النخيل الشيطاني ومرتفعاتٌ صخرية ومنخفضات كأفواهٍ جائعة ، والشمسُ هذا البركان المتنقل المتفجر يرسلُ قذائفهُ في الوجوه وهذا الطابورُ يزحفُ بمعاوله ورفوشهِ وجرارتهِ وخيامه وعرقه وأرقه وصرخاته وسياطهِ مجتاحاً الرمال والأعشاب والصخورَ والتلال والنخيل ، خيوطاً من الدخان تعلو فوقه ، يشقُ طريقَهُ مخلفاً خطاً أسود ودماً وعظاماً وبقايا الطعام . . 

واجهنا حقلٌ من النخل ، جذوعٌ منتصبة بانحناءات مكسورة ، مجموعة من الشيوخ الشحاذين على أبواب الصحراء . . تمدُ أيديها للماءِ ولكن البلدوزر الأصفر يمدُ لها لها أسنانـَهُ . . تجتاحُ الأعشاب . . يجتاح الأعشابَ والفسائل الصغيرة يقطعها بحدة وقوة ، ننظر إلى الشمس الصاعدة نحو قلبِ السماء ونخفضُ رؤوسنا بسرعةٍ ، إنها تعصرُ القلبَ وتشربُ الدمَ .

يطعنُ البلدوزر النخلة الشامخة ، تلك التي تنتصبُ في عمق الطريق ، يجأر بالغضب وهي تقاوم بصلابة ، يتناثر ( الكرب ) فوق الأرض وتنتزعُ الأسنانُ تلك القشرة السوداءَ لتصلَ إلى البياض الجميل ، تنحني النخلة قليلاً ، تغوصُ الأسنانُ ، يرهفُ السمعَ إلى الأرض اللامبالية . .

 أقطعُ بذوراً ، أجمعُ حجارة ، أصطدم بعامل آخر . . 

جوزيف ينحني لي باتسامة جميلة ، كوجههِ الوسيم . . اكتسى سمرة الهند الجنوبية ، نتعاون على قطع نخلة صغيرة ، نضربها بحدةٍ وغضب ، لكنها لا تتأثر . . أرى البلدوزر يتراجعُ عن النخلة العملاقة ، ويفاجئها من الخلف بضربةٍ حادةٍ ، تهتزُ ، ضربة أخرى ، لكنها لا تسقط ، العامل الأنليزي الذي يقودُ البلدوزر يصرخُ بهياج ، نسمعهُ فنحفر لنخلتنا ونقطعها من الأسفل ، يتراجعُ الأنكليزي ويطلبُ من العمال الأنتباه . . يهجمُ بضراوةٍ ، تقطع السكينُ الضخمة النخلة فتتهاوى جثتتها بصخبٍ ، ننطلقُ إليها ، نرفعها بسرعةٍ وخفة ونلقيها حيث تجمعت الجذوعُ في مقبرة هائلة . . 

تحتشدُ السواعدُ ، تتقاربُ أجسادٌ كثيرة لمئات الرجال ، العرقُ ينضحُ ويغسلُ الخرقَ الكاكية اللون ، الجذوع تــُقذف بعيداً ، الحصى يــُنزع ، الجذور تــُقلعُ بعنفٍ أو تــُقطع أو تــُحرقُ ، بقايا البركة تــُهدمُ وتــُسوى بالأرضِ . أنصتُ إلى صيحات الأطفالِ الذين كانوا يغوصون ويتسابقون من أجلِ حبة لوز ، يتذكرُ جوزيف مدينتَــهُ الكبيرة التي قدم منها ، إنها باتساع هذا الرمل وذاك البحر ، والبشر أنهارٌ تصبُ في كل مجرى ، والغاباتُ الساكنة قرب الجبال ، الخضرة بامتداد النظر ، الورقة الخضراء صفحة من كتابٍ مقدس ، والمطرُ والأنهارُ والمعابدُ والقلاعُ القديمة ومصنعهُ الذي غادرهُ ، وأصدقاؤه وزوجته وطفلتاه ، يضربُ الأحجارَ بعنفٍ ويرملُـها ، يتوقفُ ، يدخن ، يميلُ قبعة القشِ نحو عينيه ، يقول :

- يا للشمس ؟ ! نحن لدينا شمسٌ مؤذية ولكن ليست مثل هذه ؟

ذهبتُ مراراً إلى غرفتهِ الوساعة ، حيث عسكرَ جيشٌ صغيرٌ من زملائهِ ، أصطفتْ الأسرة قرب بعض ، فــُتحت النافذة على مصراعيها ، وأنهالت موسيقى الرقص والغابات والجبال والثلوج . .  يحدقُ في السقف طويلاً أو يرمقُ صورة العائلة المشتركة . . ما أجمل وجه زوجته ! تنطقُ العينان والقسماتُ والفمُ الصغير والأنف الجميل : ( تعال ! ) ، يتأوهُ بحدة ، ويسحبُ علبة البيرة وينفثُ الدخان . . قطارٌ صغيرٌ يمضي في البحر أو الرمل وهو يلوحُ من بعيد عبر النافذة ، تضيع حقيبتهُ في المطار ، يقرأ نص العقد فيفاجئ بالغرفة الجماعية ، ينتظر دوره للحمام  وهو يئنُ من الألم . . يلوحُ لزوجتهِ وتضيعُ ملامحها في النهر البشري المتدفق ، يتذكرُ إنه نسي أن يقبل أبنته الكبرى لآخر مرة ، يرفعُ يدَهُ ، يصرخُ ، وينطلقُ القطارُ ، تضيعُ صيحاتهُ في الأجواء والزحام والمطارات والتأشيرات والتفتيش والحجر الصحي وعقد العمل الغريب واللغات والوجوه المكفهرة ، ينهارُ على فراشهِ مفرغاً العلب والنقود والشجائر . .

يقتربُ رئيسُ الملاحظين الأنكليزي (ديفيد) ، يخزنا بإحدى عينيه ويهزُ العصا في يدهِ ، أكتسي بالعرق :

- لا أريدُ أية أحاديث أثناء العمل !

طالما رددَ هذه الملاحظة ، أمس تشاجر مع عامل وضربه بالعصا ، توقفَ العمالُ لحظة وهم يسمعون شجاره مع الرجل ، تصاعدتْ صرخاتهُ ، هجمَ بحدة ، تحاوط الملاحظون العمال ، دفعوهم نحو العمل ، مهدنا الأرضَ بصمتٍ ، سمعنا عويلَ الرجلِ ثم رأيناهُ ينهضُ وينفضُ الترابَ ويندسُ في الجموع . . 

استوت الأرضُ تماماً ، اختفتْ البركة والأوراقُ والجذورُ ، فرغتْ الشاحناتُ حملتها من الأسفلت . . اقتربنا من فلسعتنا أنفاسهُ الحارة ، غرفنا برفوشنا ونثرناهُ . . أيدٍ كثيرة ، تلالٌ سوداءُ عديدة ، بخارٌ يتصاعدُ ، أحسُ بوجهي يشوى ببطءٍ وبلا توقف . . كم بحثتُ في المكاتبِ عن عمل !

زاحمتني الاكتافُ والرسائلُ ودخلتُ مكاتبَ باردة كالثلاجات ، رمقتني السكرتيرات بلا مبالاة ، سرتُ على الأرصفة ، قرأتُ إعلانات الصحف ، ثم فتحتْ الشمسُ ذراعيها الطويلتين وضمتني ، تمددَ الأسفلتُ على الطريقِ النامي .  . 

بدأت الصحراءُ تسقبلنا ، الرملُ الأصفر لا نهاية له ، ثمة تلالٌ وحفرٌ وأتربة ، الطابورُ يغادرُ مكانَهُ ويمضي ، ثمة حفرٌ واسعة علينا أن نردمها . . الآلاتُ والرجالُ تنطلقُ حيث تكومَ الرملُ .  . جوزيف أيضاً معي . يبدو أن تعباً عنيفاً قد تسلل إلى هيكلهِ الصغير . . يملأ الشاحنة بالرملِ ببطءٍ . . 

أغرفوا ، أغرفوا ، أملأوا هذه الحفر بالرمل ، الطريق لا يعرف أحدٌ إلى أين تقود ، بعضهم يقول إلى قصرٍ فضخم ، البعضُ الآخرُ يؤكد إنه إلى جسرٍ ، أغرفوا ، أضربوا هذه التلال ، يتطايرُ الغبارُ ، أسمعهُ يتألمُ من عينيه . . 

روى لي جوزيف إنه كان مدمناً على القراءة ، في المصنع الذي عملَ فيه اكتشف أشياءَ كثيرة ، الحروفَ وأسرارَ الكلمات ، الأصدقاءَ ، السواعدَ التي تقفُ معاً ، الابتسامات الطالعة من القلبِ ، جلساتِ الغناءِ والاكتشافاتِ والرحلاتِ ، كان المطرُ والشمسُ الهادئة ، كان الشتاءُ والمعاطفُ والجمرُ ، الطفلتانِ والأمُ والسمرُ ، هناك غرفتاه الصغيرتان ، أكتملَ كلُ شيء وراءه ! كيف وجدَ نفسه فجأة في صحراء يشتعلُ رملُها وتقذفُ سماؤها الحمم ؟

عيناهُ ، كأنهُ لا يرى ، يقذفُ الرمل بعيداًعن الشاحنة ، يملأ وجهَ أحدَ العمال ن يشتمهُ الآخر ، يقتربُ ديفيد منه ، يهزهُ بعنفٍ :

- ألا ترى جيداً أهيا الغبي ؟

- امتلأت عيناي بالغبار . . 

- أهذه خدعة للراحة ؟

من جديد يغرفُ ، الحفر عميقة كالآمال الخائبة ، الشمسُ استوت فوق السماء ، اندفعَ اللهب من الرمل والقار . . الأعماقُ الخائبة لا ترتوي بالرملِ ، لم تعد لديهِ كتبٌ هنا ، في النهار تحت الشمس ، في الليل يقدمُ المشروبات في البار ، الدخانُ والسهرُ والأهاناتُ والتعبُ والرغبة في النوم والرحيل ، ومرة أسقط كأسَ البيرة المليء في حضن رجلٍ فلكمهُ بقوةٍ ، سقط تحت الطالولاة ، كانت الأشياءُ كلها تدور حوله ، الكؤوس والوجوهُ والمصابيحُ الصفراءُ والكوفياتُ البيضُ والطاولاتُ ، أحس بنفسهِ يرتفع ويحلقُ في الأعالي ، كأنهُ يجثمُ على مقعده في الطائرة ، كأنهُ يمدُ يدَهُ من القطار ويتذكرُ إنه لم يقبل أبنيته الكبرى المريضة ، لم يودع أصدقاءه في المصنع ، أخذت الأضواءُ الخافتة تدورُ كالزنابير ، الوجوهُ تدورُ ، كانت اللكمة موجعة وحد الطاولة موجعاً ، الندل يغسلون ثوبَ الرجلِ الذي راح يدور ، أبصر نفسَهُ يغرق في بحرٍ عميق من البشر والأحجار والزجاجات الفارغة . . 

اقتربتْ سيارة فخمة منا . . أزيحت ستائرٌ داخلية وأطل وجهُ رجلٍ عجوز . . طالع ما أنجزناهُ بغضبٍ واضح . . ثم اندفعتْ العجلاتُ الأربع وأطلقت سحابة غبار عارمة . .

نصف ساعة الغداء ابتدأت . تجمعنا في الخيام الكبيرة المنصوبة . تزاحمنا في بقعةٍ ضيقةٍ وظهرت أكلاتٌ من الجنوبِ والشرق والغرب . تصاعدت الشكاوى والضحكات والآمال ، قال أحدهم : إن رجلين أصيبا بضربة شمسٍ  ونقلا للمستشفى . كم تمنى جوزيف أن يصاب بضربة شمس ويرتاح عدة أيام ! أمس حطم ديفيد وجهَ رجلٍ رفض أن يعمل ، سمعنا صيحاته ، نظرنا إليه ، كانت الأيدي تمسكُ الرفوش والمعاولَ وتقودُ العربات والآلات ، ثمة لحظة خاطفة توقف فيها كلُ صوتٍ ، تلك اللحظة الغريبة التي لم يمسعْ فيها سوى الضرب ، وقفت الأيدي لحظة حدادٍ على شيءٍ مبهم ، أنصتنا غلى الرجل وهو يبكي ، الرجلِ ذي اللحية الكثة واسمال الجبال ، بدا أن النشيج قد انبعثَ من الشمس والأرض والتلال والخيام ، ملأ الصوتُ الفضاءَ . . استحالت اللحظة الخاطفة إلى وقتٍ طويل لا يريدُ أن يفضي إلى نهايةٍ . نظرنا إلى بعضنا البعض ، رجالٌ سود وصفرٌ وبيضٌ ، أنبتتنا جبالٌ وأنهارٌ ومدنٌ وصحار ثم القانا التيارُ الصاخبُ في جدولٍ ضيق . النظراتُ تقتربُ ، تكونُ شيئاً غامضاً ، كأن الأيدي تمتدُ زتتجمعُ . لكن البكاءَ توقف ، واستعادتْ الضجة مكانَها المفقود . . 

انتهت نصفُ ساعةِ الغداء الخاطفة ، فترة لذية رغم التكديس في الخيام . غفوة صغيرة منعششة . لم تزل الشمسُ مرابطة فوق العيون ، لا نسماتٍ ، لا طيورَ ، لا نخيلَ . أسربة وأتربة وأفعوانٌ أسودٌ يزحفُ إلى جهةٍ مجهولة . قالوا إن الطريقَ يفضي إلى قصرٍ عالٍ في الصحراء ، وأنه ينتظر قدومَ مالكهِ من رحلة شهر عسل . قالوا إن زفافاً مذهلاً سيبدأ فيه . لم يعد يهمني شيءٌ في هذه الحياة ، سرتُ وسرتُ وركضتُ في الطرق ، بحثتُ عن عملٍ حتى أهترأت أصابعُ قدمي ، أنحنيتُ أمام تاجر سلعٍ مهربة ، انتظرتُ أياماً أمام بابِ مقاول ، حتى خفتَ صوتي . لا يبدو أي قصر في هذه الآفاق ، وعلنيا أن نهرولَ في هذا الرمل المجهول . حثتني زوجتي على أن أصمت دائماً ، أمسكتني بحدةٍ وهي تصرخُ ، خرجتُ من المنزل لاعناً كلَ شيء . . 

حفنا ، جاءتْ الشاحناتُ وألقتْ الأسفلت . الملاحظون انطلقوا يعنفوننا على الكسل والأحاديث ، ارتفعت عصيهم وأصواتهم ، أندفع الطابورُ الهائل إلى تلالِ القارِ المتكومةِ ، راحتْ الرفوشُ تأكلُ الوجبة السوداء بنهم ، تتصاعد الأبخرة وهو ينــُنثر على الأرض . . 

اقترب مني جوزيف وقال :

- لا أستطيع أن أحتمل أكثر . .

الكلمات التشجيعية تتبخرُ في هذا الجو . سقط عاملٌ على الأسفلت . أندفعنا إليه ، غاصَ في القار وشوى ظهره . يتكلمُ بلغةٍ رنانة كالعصافير . نزعنا قميصه ورأينا آثاراً حمراء وانتفاخات في كلِ جسده ، يرتعشُ . أخذناهُ إلى إحدى الخيام . الملاحظون يدعوننا إلى ترك الرجل فوراً .

يتقدمُ ديفيد بحنق :

- عندما يسقط رجلٌ لا أريدُ أن أرى أحداً يقتربُ منه . .

يفضُ الصفوفَ بعصاه ويديه وبصاقهِ وشتائمهِ . نعودُ . أنصتُ إلى طائرٍ متعبٍ يرفرفُ في السماء ، يطلقُ نداءاتٍ من أعماقهِ إلى كائناتٍ بعيدة ، إلى أين تريدُ أن تمضي في هذه البراري الموحشة ؟ يلتفتُ جوزيف ويصغي . يقتربُ طائرٌ آخر ، ظهرَ من لهيبِ النار الذائبِ في الهواء . يمضيان معاً ، ويتغلغلان في الضوء . .

أي هدير لهذا الطابور ؟ اهتزتْ الأرضُ ، ترنحتْ التلالُ من المعاول وآلات الحفر ، حاولتْ الصخورُ أن تصدَ التوغل ، أطنانٌ من الحصى تــُقذف بعيداً ، الطريق يبدأ خطوة ثم يستعُ ، العرقُ والكره لكلِ شيءٍ والحقد على الناس والحجارة والشمس والقصر والأكواخ . ذات ليلةٍ تـُضاءُ بقعة كبيرة في الصحراء ، تأتي قوافٌ من السيارات الفخمة ، عبر الطريق ، تنتشرُ المضاربُ حول البيت الفخم المتلألئ بالأنوار والنساء ، تشتعلُ النارُ تحت السفافيد والقدور الكبيرة السوداء ، رائحة السعف المحترق والشمبانيا والكافور تهفهفُ مع الريح ، دقاتُ الطبول والدفوفِ وضجة الجاز تسري في الصحراء الباردة . . هل سيرى المخمورون النائمون على مقاعد سياراتهم أية عظام على الطريق ؟

تتناثرُ الصخورُ بعيداً عن الطريق ، يريني جوزيف كائناً غريباً يزحفُ هارباً . كان ضباً كبيراً مذعوراً . قالت لي أصمتْ فصمتُ . اندفعتُ في الشوارع وأرصفة الميناء ، دخلتُ المكتبَ الأنيق فقال لي الرجلُ إننا نريدُ أن نوظفك ولكن . .سرتُ بين الحديد الخردة ، واسترحتُ في الظل ، قرأتُ في الجريدة ، أبصرتُ ألسنة مقطوعة وأنفاقاً مهدمة . .

سقطتْ قبعة القش التي يلبسها . يمسكها بصعوبة ، وجهه احتقن بالدماء في حمرة النفط المشتعل ، أضواءُ الآبار تسحبهُ من زحمة البشر المتكدسين . يلقي الكتابَ جانباً وينطلقُ ، القطارُ ضجة مدوية في الآفاق الخضراء ، قالتْ زوجتي : أصمتْ ! تضيعُ الحقيبة والحقيقة ويشعرُ بأنه طفلٌ ضاعَ في غابة ، قالت زوجته : تعالْ ! لم يرسلْ بطاقة العيد للأصدقاء ، ترنحَّ على الأرض ، ترنحَّ المعولُ والقبعة ، أمسك حجراً دخلَ في كتفه . . لم يتجمهر العمالُ حوله ، سرتُ نحوه ، الملاحظون تنبهوا ، سمعتُ نداءات خلفي ، خفتتْ الضجة قليلاً ، كان جوزيف بلا حراك ، كأن حربة سحرية ثقبت رأسه ، رفعتهُ ، نداءات وصرخات حولي ، توقفَ البلدوزر ، ورأيتُ النخلة تنحني ، قلتُ : سأحملهُ إلى الخيمة ثم أعود بسرعة ، دفعني أحدهم بقوةٍ ، رأيتُ ديفيد فوق رأسي ، خفتُ . . 

- قلتُ لا تفعلوا ذلك !

ضربني بحدة على كتفي بعصاه . جاشَ صدري بماءٍ حارقٍ ، أستكنتُ وأنا أمسكُ حجراً ، النخيل المحتضر ، الضبُ الهاربُ ، البار الطاولة التي سقط تحتها جوزيف ، تدورُ ، الشمسُ التنورُ ، طابورُ العمال الصامت يدورُ ، اللافتاتُ ، إعلاناتُ الجرائد . 

- لا يحقُ لك أن تضربني !

- أخرس !

حركَ رأسَ جوزيف بحذائهِ . أمسكهُ من ياقتهِ بعنف :

- انهض !

الرجلُ لا يقوى على الوقوف ، يضربهُ ، يصرخُ بهِ أن ينهضَ ، يضربهُ ، توقفت المحركات ، الرجلُ يسقطُ كخرقةٍ . تسكنُ الرفوشُ والمعاول . يتقدم عاملان نحو الخيام . صمتَ كلُ شيء . النظراتُ تلتقي . لغاتٌ عديدة تتكسرُ في النورِ الباهر . ثلاثة عمال يتقدمون أيضاً . الملاحظون ينتشرون . صرخاتٌ غاضبة تترددُ في البرية الشاسعة . لكن الصمتَ عادَ يلفُ كلَ شيءٍ .   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 3 – يوم قائظ «قصص»، 1984.

❖ «القصص: الدرب – أماه… أين أنت –الخروج – الجد – الجزيرة».
















المقالات العامة

العناوين المميّزة

الموتُ حُبـَأً ــ قصة قصيرة: عبدالله خليفة

  (الإهداء: إلى ذكرى محمدِ الماجد)   - (سيدتي الساحرة المحرقية أدخليني في بخوركِ وعطوركِ واصنعيني ثانية. تعبتُ من هذه الهيئةِ وهذه الكينونةِ...