«ألماس والأبنوس» هي رواية للأديب والروائي البحريني الراحل عبدالله خليفة، نُشرت عام 2016 (بعد وفاته) وتُمثل ضمن الجزء التاسع من أعماله الروائية الكاملة.
لجوهر حكاياتٌ مذهلة، فهو الذي عرفَ البحار، وأصطاد الحيتان، وسبحَ مع جنياتِ المياه، وأحضرَ أكداسَ اللآلئ، ومع هذا فهو يعيشُ في عريشِ بسيط، ويتكدسُ أهلهُ فيه، ويتصاعدُ الدخانُ من الحطبِ المتجمع تحت القدر، وجدُهُ مرجان ينفخُ في اللهبِ الصعبِ المتراقص قربَ شفتيه الضخمتين ويحولهُ إلى حكايات.
في عالم السحر، على بساطِ رملِ الحكايات عند الشاطئ، والقناديلَ تترجرجُ مثل الموج، والنساءُ يختلطنَ بالظلال والنجوم، يتدفقُ جوهرُ بعطايا الروح الدفينة.
تعرفتُ عليه وأنا ممسكٌ بحبل حياتِه، وهو ينغمرُ تحت لججِ المياه، يغوصُ بين فروشِ البحرِ المزروعةِ مثل السكاكين، يتلألئُ جِسمُهُ المعتمُ بوميضِ النور، ويتراقصُ سمكةً بشريةً تقطفُ المحار.
يا إلهي كيف راحَ هذا الأسودُ العملاقُ يكدسُ المحارَ قربَ قدمي، ينبثقُ من المياه كمارد، يفلقُ البحرَ، ويظهرُ رأسهُ، ولا خطامَ فوق أنفه، ولا شيءَ يسدُ أذنيه، ويهزُ شعرَهُ الأكرت نافضاً قطراتِ ضئيلةَ إلتصقت به، ثم يدفقُ (الزبلَ) المليء بالمحار، وتتساقطُ كأنها قوىَ حجريةُ التصقتْ طويلاً بالزرع وعليها آثارُ الحصاد والجماد!...
تتميز الرواية بأسلوبها السردي الذي يمزج بين الواقعية السحرية وتراث البحر والمجتمع البحريني.
القصة والمضمون:
البطل المحوري: تدور أحداث الرواية حول شخصية «جوهر»، وهو غواص وبحار عاش حكايات مذهلة في أعماق البحار، واصطاد الحيتان، وجمع أكداساً من اللآلئ.
المفارقة الاجتماعية: بالرغم من كل العطايا والخيرات التي استخرجها جوهر من البحر، فإنه يعيش في «عريش» (بيت بسيط من سعف النخيل) يتكدس فيه أهله، مما يعكس الفقر والمعاناة الحياتية مقابل ثراء الروح والذاكرة.
الجد مرجان: يبرز في الرواية الجد «مرجان» الذي يحوّل مشاق الحياة ولهب الحطب إلى حكايات يرويها على شاطئ البحر وسط أجواء ساحرة تمتزج فيها النساء بالظلال والنجوم.
القيمة الفنية والنقدية للرواية:
تقنية المقابلة: استخدم عبدالله خليفة «تقنية المقابلة» في السرد، حيث تتجلى المفارقات بين العالم الخارجي الغني بالثروات والأسطورة، والعالم الداخلي للإنسان البسيط.
يرى النقاد (مثل الدكتور محمد زيدان) أن عبدالله خليفة استخدم في هذه الرواية تقنية «المقابلة البلاغية» على مستوى المنظور السردي، وهو أسلوب يتناسب مع أشكال ما بعد الحداثة في الرواية العربية.
حضور الإنسان البحريني: كعادتها أعمال عبدالله خليفة، تركز الرواية بشكل مكثف على الإنسان البحريني الكادح، وارتباطه التاريخي بالبحر والغوص بحثاً عن اللؤلؤ.
البعد المكاني: تُصنف الرواية ضمن الأعمال التي برع فيها الكاتب في توظيف الأمكنة (الأمكنة الطبيعية كالبحر والشاطئ، والأمكنة السكنية البسيطة كالعريش) لخدمة النص وتعميق مشاعر الاغتراب والطبقية.
يمثل «المكان» ركيزة بنائية أساسية في الرواية. حيث يصف الكاتب بدقة متناهية بيئة البحر وأكواخ الصيادين في بدايات تشكّل المدينة على شواطئ البحرين.
يعتبر المكان (البحر، العريش، الساحل) هو المحرك الأساسي لبناء النص والشخصيات.
يدمج الكاتب بين الواقع المعيش لأكواخ الصيادين (في فترة تكون المدينة على شواطئ البحرين)، وبين العوالم السحرية والأسطورية.
