شكلت الصحافة الثقافية الميدان اليومي والعملي الأصيل الذي تواصل من خلاله عبدالله خليفة مع مجتمعه، وطبق فيه أفكاره التنويرية على مدار عقود.
فلم يكن يرى الصحافة مجرد مهنة لكسب العيش، بل منبراً ورسالة لرفع وعي الجماهير ومواجهة ثقافة التسطيح والتخلف.
ويمكن استعراض مساهماته وأدواره التوجيهية في الصحافة البحرينية عبر المحاور التالية:
أولاً: مساهماته التأسيسية في الصحافة الثقافية جريدة «أخبار الخليج»: ارتبط اسم عبدالله خليفة بهذه الصحيفة العريقة بشكل وثيق لسنوات طويلة. أشرف فيها على الملاحق والصفحات الثقافية، وكتب زوايا وأعمدة شبه يومية وأسبوعية تناولت الفكر، والأدب، والسياسة، والاجتماع.
المقالات النقدية: من خلال عموده الشهيرة «أفق»، قدّم قراءات نقدية مستمرة ومواكبة للمشهد الثقافي البحريني والعربي.
كان يكتب بجرأة مشهودة في تفكيك الظواهر الفكرية المعاصرة ونقد طروحات الإسلام السياسي.
المجلات والنشريات الطليعية: أسهم بقلمه في رفد مجلة «الطريق» اللبنانية ومجلة «أدب ونقد» المصرية، بالدراسات الفكرية العميقة التي أسست لوعي يساري وعقلاني في الساحة الثقافية الخليجية والعربية.
ثانياً: دوره كموجه وصانع لأجيال المبدعين لم يكتفِ عبدالله خليفة بكتابة النص، بل تحوّل في دهاليز الصحافة إلى مؤسسة تعليمية وثقافية متنقلة لاحتضان المواهب الشابة: بوابة النشر الأولى: جعل من الصفحات الثقافية التي يشرف عليها «مختبراً» لاستقبال نصوص الشباب من القصاصين والشعراء المبتدئين. وكان يحرص على نشر نتاجاتهم مع تقديم الدعم والتشجيع لهم.
المصفاة النقدية الصارمة: عُرِف عنه أنه كان موجهاً صارماً يرفض المجاملة على حساب الجودة الفنية. كان يعيد النص للكاتب الشاب ومعه ملاحظات دقيقة حول البناء الدرامي، وتطوير لغة السرد، والتخلص من المباشرة والخطابية، مما ساعد الكثيرين في صقل أدواتهم الإبداعية.
غرس الوعي المعرفي: لم يكن يوجه الشباب في فنيات الكتابة فحسب، بل كان يحثهم على القراءة الموسوعية في مجالات الفلسفة، والتاريخ، وعلم الاجتماع، مستنداً إلى مقولته الضمنية بأن «الأديب بلا وعي فكري معرفي هو مجرد حكواتي سطحي».
اللقاءات الميدانية: تحولت الصحافة التي عمل بها، وكذا منزله، إلى مجالس نقاشية حية، يستمع فيها للشباب، ويناقش مسودات رواياتهم وقصصهم بصبر وأبوية حانية، تاركاً بصمة لا تُمحى في تجارب جيل الثمانينات والتسعينات وحتى الألفية الجديدة في البحرين.
باختصار، استطاع عبدالله خليفة عبر الصحافة الثقافية أن يحول الأدب من نخبوية الغرف المغلقة إلى حراك اجتماعي وتنويري يومي، تاركاً إرثاً صحفياً ضخماً ما زال يُشكل مرجعاً لدارسي التحولات الفكرية في البحرين.
