كان البحرُ يتحرش ببيتها، تتغلغلُ موجاتهُ بين أحجارهِ وقيعانه، فكأنه يطفو على الماء، في دورةِ المياهِ يصلُ إلى ساقيها، ويتضخمُ مدهُ فيضربُ حتى أحشاءه، وتغرفُ منه في النافذة وتداعبُ نوارسَهُ وتطعمها من فتات خبزها. كان يتنائى حيناً فيبتعدُ حتى كأنه غادرَ أرضَها، وترى القواربَ جافة، منقلبة على جهة، وثمة شظايا من زجاجٍ الماء تلمعُ وتتوهج.
كان يحضرُ على مائدتِها، فترى أمَها بين أدخنةٍ كثيفة تقلبُ على الصفيحةِ المعدنيةِ الرقيقة بناته، تلك السمكات الكثيرات الصغيرات مثلها اللواتي يقفزنَّّ على اللهب، وتنضجُ جلودُهن، ويطرطشُ دهنهن في فرقعاتٍ لذيذة، والحطبُ يُلقى، ومن هنا كانت هي حمالة حطبٍ، تمشي على الساحل الطويل وتجمع قطعه.
أبوها هو المتحدُ بذلك الإله المترامي في كل مكان، الذي تراهُ يمضي بسفينتهِ يطلقُ البخورَ ويصلي، وكانت الشباكُ في مرآها تتشمسُ في النور، وأعشابٌ غريبة وطحالب وقواقع تجثمُ في تلك الخيوط، وكانت تنزعُ تلكَ الأشياءَ وتجففُها وتغسلها وترتبها في بيتها، بيتها الصغير الذي لا يجيءُ إليه الماء.
***
«حورية البحر» هي رواية للأديب والروائي البحريني الراحل عبدالله خليفة، صدرت عام 2017.
تتمحور الرواية حول عوالم البحر وعجائبه وتوظيفه كرمز للكفاح والتحول الاجتماعي.
تنتمي الرواية إلى أدب الواقعية الاجتماعية الممزوج بالفنتازيا، حيث يوظف الكاتب بيئة البحر الخليجية (عُمان) وعوالمها الأسطورية لكشف قضايا الاضطهاد والتحولات الاجتماعية والسياسية.
الخط الدرامي وأبرز أحداث الرواية:
البداية والضياع: تعيش بطلة الرواية (كوكب) في بيت بحري وتعتبر نفسها جزءاً من هذا العالم المائي، ولكن حياتها تنقلب بعد وفاة والدها في حادث واضطرارهم لبيع المنزل.
المعاناة في البر: تقودها أمها القاسية للعمل في المدينة (البرية)، حيث تواجه الذل والاستغلال من صاحب العمل الذي يطمع فيها.
الهروب والمقاومة: تلجأ البطلة مجدداً إلى البحر، وتلتقي بحبيبها الذي يتجلى لها في صورة صياد، وتنتقل إلى قرية الصيادين.
البعد السياسي والثورة: تنتقل حورية البحر وسط سواحل عُمان الى اليمن وتدخل أرياف الداخل لتشارك في الحروب والثورات، وتتحول من فتاة غضة إلى جندي صلد يواجه الهزائم العسكرية والتحولات الكبرى برفق قادة الثورة.
