السبت، 30 أغسطس 2025

اللقــــاء ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة

رآه يحدقُ بهِ وقد استندَ على جدارِ بيتٍ شائخ . ساعدتهُ عصاهُ في الوقوف ، وأخذ يتفرسُ فيه ببصرهِ التعب ، وقد وضع يده فوق عينيه مظلة من عظامٍ ناتئة .

كانت الشمسُ قد مالتْ قليلاً عن كبدِ السماء ، وامتد البحرُ الساخنُ إلى أفقٍ لا يحد .تراقصتْ أضواء الشمس في أ‘ماقهِ فصار ينتفضُ بالبريق من وقتٍ لآخر ويلهثُ بأنفاسٍ حارة لافحة .

تلطع على البيوت فأبصرها مغلقة وقد راحتْ مكيفاتها تهدرُ في الطرقات . ليس ثمة سوى مجموعةٍ من الأطفال يلعبون تحت ظلِ عمارةٍ كبيرة وكأن الشمسَ ضربت الحصارَ على المدينة فاقفرت الطرقُ وأغلقت الأبواب .

سحب القاربَ ببطءٍ وشم جلد البحر الناضج . مسعَ الموجَ يوشوشُ الأحجار . كانت أصابع الماء البيضاء تظهرُ في الأ‘الي وتظلُ تتقدمُ حتى ترتمي واهنة تحت اللسان الحجري الممتد في الماء أو على الشريط الأسمنتي الذي تقفُ عليه المنازل ، تتلمسُ الأحجارَ لحظة ثم تتفتت وهي تضحكُ كأطفالٍ يصلون إلى نهاية سباقٍ طويل . 

وضع السطلَ في القارب . دسَ يدَهُ في الماءِ فارتعش من برودته . وتلمس العلبَ وهي مترنحة فوق بعضها البعض فوجدها تسبح ثم تغطس بسعادة . تخيل الأصدقاء وقد تمددوا على رملِ الجزيرةِ الصغيرة ، وقد تصاعدت النشوة في رؤوسهم فتراقصت أضواءُ المدينة البعيدة كفيلمٍ تمثله ساحرات فاتنات . أتت الأمواجُ واستقلت بين اقدامهم وراحت تدغدغها . .

رآه يتزحزحُ عن الجدار ، هيكلاً عظمياً يتقدم بعسر  . ساعدتهُ العصا قليلاً والأرضُ المتسوية . أين يريدُ أن يمضي ؟ بل ما الذي دفعهُ إلى التحجر عند الشاطئ وترك حجرته الآمنة ؟ ! 

وضعَ صندوقَ الأكلِ وغطاه جيداً . تسربتْ رائحة اللحم إلى انفه فودَّ لو تبدأ الرحلة الآن كي يتمضمض بالبيرة ويحكُ ظهرهُ برمل الشاطئ وهو يشمُ رائحة الشواء وينصت إلى الأحاديث الشجية.. 

إنه يقتربُ ، قد قامر بصعود اللسان الحجري ، وبدا كمن يجمعُ أنفاسهُ المبعثرة ، وفي بالهِ هدفٌ جليلٌ لا بد من تحقيقهِ . . 

كيف سارت الحياة هكذا ؟ أهذا الرجلُ المشوهُ كان ذات يومٍ عملاقاً لا يُردُ له قرارٌ في المنزل ؟ ! أهو نفسه الذي ابعدهُ عن الجامعة والقاهُ في الغابة الوحشية ؟ !

ووقفَ فوق رأسه . طقطقتْ عصاهُ فوق الأسفلت وتصاعد زفيرهُ ، وتلمستْ عيناهُ القاربَ بحنو ، لعلهُ يريدُ نقوداً . إن نقودَ التقاعد التي حصل عليها لا يعلمُ بها أحدٌ . خبأها في بنكٍ من البنوك ومضى يتسلفُ منهُ ليصرف على لذاتهِ الصغيرة المخبأة . والآن ماذا يريدُ ؟ إذا مدَ يدَهُ من أجل المال فسيشتمه. 

أحس بأنفاسِ الشمسِ المتلهبة تخزُ وجهَهُ . أبعدَ عينيه عنه وتطلعَ إلى الشاطئ فرأى مجموعة من الألواح المحطمة والثياب تطفو فوق الماء وتقتربُ من البر . سمعَ الأمواجَ تؤنبُ الأحجار . وصاحَ طيرٌ حزينٌ في السماء . 

- ماذا تريد . . . ؟

ودهش لأنه تلفتَ نحو البيوت ، لكأنهُ يخافُ أحداً من التنصتِ إليه ! ولكأن العزيزة المفقودة حطمتها السنون بفؤوسها القاطعة .

تطلعَ إلى وجههِ فرأى حجراً بحرياً درسهُ الموجُ والرياح العاتياتُ وسكنتهُ الكائناتُ الجائعة الضارية . . وبدت العينان الصغيرتان كقنديلين متوهجين في غبةٍ ظلماء .

ورآهُ يرمقُ البحرَ كعاشقٍ اضناهُ الهوى . تدلى الصمتُ ، وودَّ لو يريحهُ بطلبهِ المعتاد حتى يقذف في وجههِ النقودَ ويمضي مبتعداً . لا بد إنه يريدُ شراءَ زجاجة أضنتها الأيدي في بيتٍ من بيوت السعف . سيخبئها في جيبهِ ويسيرُ متمهلاً في الأزقة حتى يبلغَ المنزل فيدلفُ إلى حجرتهِ ويغلقُ الباب . سيتصاعد صوتُ نهامٍ قديم ، وسترفرفُ طيورُ البحر ، وربما تصاعدت غمغمته ويرتفعُ غناؤه فجأة !

لا بد إنه تعاطى مادة غريبة فجعلته يهذي . أكانَ لا بد للصمتِ والسكون أن يتصدعا بهذه الصورة ؟ 

- خذني إليه يا ولدي . إنني لم استعطفك مرة واحدة ، ولم امد يدي إلا الآن . إنني أشحذُ قطرة من الماء ولمعة صغيرة من الضياء . إنني اشحذ لمسة يدٍ في هول البحر ونهمة نهام في سكون الليل . أنس الأصحاب والأحباب وتذكر إني جئت إليك ابغي كلمة حب . كلمة حلوة في هذا الويل ، في هذا القيظ . أبغي نظرة وداع . 

شيئاً فشيئاً جلس على الأرض وتمدد . وتألقتْ عيناه بدمعةٍ حائرة . يا  له من جفنٍ تحجر ! كيف تسربتْ الدموعُ من هذا الجلد الناضب ؟ وأحس  بشيءٍ ينمو في اعماقه . اطل كالبراعم ورفعَ رأسَهُ إلى السماء ، اشرأب إلى النور وبدأ يرتفعُ عن الحضيض . . تذكر لياليَّ الشتاءِ وصدرَهُ الواسع وحكاياتهِ عن البحر والأسماك والأعماق الغريبة ، والقهوة التي راح يحتسيها بلذةٍ . وأبصره يقودهُ إلى المدرسة وهو يرتجفُ خوفاً ولكنه يهدأهُ ، ويريهِ الحقيبة والقلمَ الطويلَ فيختفي في حضنهِ ، ورآهُ قادماً من العمل متسخ الثياب فتعلقَ بساقيه وبحثَ عن ثمرة ، عن عروسةٍ نصفِ محطمة . . وهو يضحكُ ويخبئُ الشيء بين يديه وخلف ظهره .

تطلع إلى القاربِ والسطلِ والصندوق وتذكر أصدقاءه المنتظرين والليلة الرائعة والساحل الناعم الأبيض ووشوشات القمر وقطعَ الحطب المحترقة تحت اللحم وألسنة النار الفتية وأسراب الشرارات المتطايرة ، وهذا العجوز المتق ولغته التي استعارها من وهجِ الخمرةِ وانطفاءِ العمر . . فنهضَ وفكر في المساء القريب ، وتطلعَ غلى البيوت التي بدأت تفتحُ أبوابها ، وإلى الناس الذين اخذوا يسربون إلى الطرقاتِ فأيقن إنه يجب أن يتخذ قرارَهُ بسرعة . 

ركبَ القاربَ فشاهد الأخشابَ وقطعَ الثيابِ تحاذيه ، كانت الملابس ممزقة . ويبدو إن عاملاً قد أصيب . إنها زرقاء قاتمة متسخة ببقعِ القار والزيتِ والدم .

- تعالْ أنزل ْ !

جاء العجوز بين الألم والفرح ، واستقر في المقدمة ز اهتز القارب وتكسرت المياه من تحته . . 

  2                              

كان يغرفُ الماء بيده ، ويدعهُ ينسابُ من بين أصابعهِ ويرنو إلى الأزرق الممتد كما لو كان بيتاً قديماً عاد إليهِ بعد غربةٍ طويلة . أخذت المدينة تتضاءلُ خلفَهُ ، وراح البحرُ يتمددُ ويتسع ، وهبتْ نسائمٌ منعشة ، بينما تراخى قوس الشمس المشدود وتساقطتْ سهامها بعيداً .

كان يتفرسُ في الماء مدققاً ، وكأنهُ يقيسُ أبعاده أو يتعرفُ إلى ملامح وجهه القديمة . ثمة بسمة فرحة ترفرفُ في عينيه ، كرجلٍ يطرقُ بابَ اصدقائهِ القدامى ، فيشعُ وجههُ بالبشر منتظراً بين لحظةٍ وأخرى أن يبرزَ وجهٌ عزيزٌ حبيب .

اختفتْ المدينة ، وتمطى البحرُ في كل الجهاتِ ، وتراقصَ الزبدُ وراء القاربِ كخطٍ أبيضَ من طيورٍ تغوصُ قليلاً قليلاً . ودسَ يدَهُ مجدداً في السطل ووجد أن البرودة لم تفترْ بعد . أي ضيقٍ سيصيب أولئك المعلمين نتيجة لتأخرهِ ؟ ! لا بد انهم سيغرقن في الضحك حين يعرفون الطابعَ المجنونَ لنزهتهِ .

وولكن ها هي الطمأنينة تدخلُ قلبَ العجوز وها هو يمتعُ ناظريهِ باطلاله غير المرئية . ها هو يتلمسُ بقعة من الزيت . يتطلعُ إلى كلِ الجهات ، لا أحبابَ هنا ، ولا سفناً ولا لآلئاً ولا تحيات للجميع ولا زغاريدَ فرحٍ .

ايقن إن العجوزَ قد شبعَ من الذكرى فقال :

- ها قد انتهينا . .

فقاطعهُ على الفور :

- لا ! ليس بعد .

قالها كبحارٍ فتي يبحثُ عن مغاصةٍ جديدةٍ ملآى بالدرر . ربما بعثَ فيه البحرُ بعضَ القوة التي امتصتها المدينة . إنه يتمددُ بمهابةٍ ويحدقُ في الموجِ كأنهُ يقلبُ صفحاتهِ ويقرأهُ بيسر .

- اتجه إلى الشمال . . أدر الدفة قليلاً إلى اليمين . . 

أين يريدُ أن يمضي ؟ هذا كلهُ ماءٌ ، فلا تختلفُ أية قطرةٍ عن أختها ، والقاعُ بعيدٌ مظلم لا يُرى ، والأعماق مجهولة للمبصرين فكيف بالشيوخ المعشيين ؟ !

إن رائحتهُ تفوحُ بالخمر وهو الذي أضناهُ بالضرب لعقبِ سيجارةٍ رآهُ في يدهِ . أين أبحر ذاك الزمانُ البعيد ؟

كان قد اختفى عن الناس ، واضطجعَ وراء القارب المقلوب على الساحل ، وأخذ يعدد الأمواجَ التي راحتْ تتسابق في الارتماء نحوه . ورشحَّ واحدة ضخمة بالوصول إليه . وقبل أن تصل رأى شيئاً يندفعُ نحوه . وإذا بعملاق يقفُ على أنفاسهِ ويمسكُ يديهِ ويربطهما بحبلٍ غليظ ويضربهُ على كفهِ ومعصمه فيرى العصا الغيظة ترتفعُ وتهوي بسرعة و(نوها) القاسي المبيض ينغرسُ في لحمهِ ، جاء صناعُ الشباك على أثر الصراخ وتدفقَ صبية من زقاق قريب ، نحوهما . صاح طالباً الرحمة ولكن كان الرجل قد جن .

يا له من وحش !

أخرج علبة دخانه الحديدية وتناول واحدة من سجائر اللف وأشعلها ويداهُ ترتجفان . 

- ألم ننتهِ بعد ؟

سحب نفساً عميقاً . . عميقاً وبدا كما لو كان ملكاً يعودُ لعرشهِ . 

- إن مقصدنا بعيد يا ولدي .

وغمغم حانقاً وفكر بأن ينفذ خاطرة قديمة عوت في نفسهِ . إن تنفيذها لا يحتاجُ سوى ضربة واحدة بهذه العصا الثقيلة التي يحملها هو ذاته ، ضربة تهوي على الرأس بقوةٍ وعنفٍ فيرتخي الجسدُ العظمي ويغوصُ في الأعماق . إلى متى يبقى هذا الشيخُ يطوفُ في الطرقات ويلقي بظلاله السوداء على الحياة ؟ متى يتلاشى برغباته الدنيئة وآماله المحبطة ؟ متى يزولُ بتسكعهِ وحشرجاتهِ وعكاكيزهِ ؟ 

- في هذا الطريق سرنا إلى الغوص للمرةِ الأخيرة . هي لحظة راسخة في النفس ، عميقة . تبدو لي الآن كما لو كانت تحدثُ حقاً . إنني أسمعُ أصوات الرجال وهم يجدفون . ها هي المجاديف تصفعُ الماء ، وأنفاس الرجال وأصواتهم تدبُ فوق البحر ، وصوت النهام ينطلق كأنه يصل إلى الشمس الحارقة . المجاديف تدفعُ السفينة والغناء والماء والآهات.. ألا تسمع الأصوات حقاً؟ ألا ترى السفينة؟

ونظر إليه . أهو يتحدثُ معه ؟ إنه يغمغم كما لو أصيبَ بهذيان مفاجئ ، والتفت فرأى سفينة بعيدة قادمة ، ولكنها ليست خشبية هزيلة ، بل سفينة حديدية ، لا شك أنها هائلة . إنه يقتاتُ على رممِ الأحلام ، ولكن متى يرحل ؟ إن الحجرة التي يشششغلها يمكن استغلالها كدكان . ومن يدري لعل لديه ثروة مخبأة . إنه مصرٌ على القاء حتى يرثَ الأرض . إن لديه طاقة غريبة على الصمود . . 

- أظن إنها ليست سفينة من سفن الغوص . لقد مضى ذاك الزمان ، (النوخذا) و(الطواش) و(الغيص) واللآلئ والشطآن البيضاء والمصائد والينابيع والكلمة الطيبة . . كلها ولت . . كلها . . 

اقتربت السفينة فرأى شاحنة زيت عملاقة . سمع أصواتاً حادة تتردد ، ولاحظ انبوباً يسكبُ زيتاً في البحرر ، تأوه طائرٌ غريبٌ متعبٌ في السماء ، ورفرفَ لحظة فوقهما ثم رحل بعيداً . واتجهت الشمسُ للغرب و وانتشرت غلالة فضية في الماء والتهب الشفقُ وأوشك حريقٌ أن يشتعلَ في الأعالي . . 

فكرَ بأن يرجع . إن الأصدقاء قد يئسوا الآن . ويجب ا، يعود . إن الأمر يحتاج إلى تصرفٍ قاسٍ فهو بمجرد أن يدير الدفة يكونُ كلُ شيءٍ قد تغير . لقد تورط بإطاعة هذا العجوز الأحمق ، الذي جاء ليجتر ذكرياتهِ في صحراء شاسعة بلا أطلال . ربما تدلت كلُ الرمال . تغيرت الأعماقُ فتكدس الحديديدُ والحصى وعظامُ العمال . . ولكن . . تذكر تلك الليلة الباردة التي دفعهُ فيها خارج البيت ، وظل يرتجفُ برداً ويدقُ البابَ بألم . . وراح يصرخ (افتحْ ، أفتحْ) لكنه تركهُ ، وتجمع الجيرانُ وتساءلوا عن جرمهِ ، وتطوعت امرأة عجوز لإيوائهِ داخل بيتها ، لكنهُ رفض ، وحين ابتعد الناسُ وتراكضت الأشباحُ في الأزقة ، وبكتْ الغيومُ فوق رأسه ، وزمجر رعدٌ شرس في الظلام ، انطلق إلى بيت المرأة العجوز وهو يفتت قلبه كرهاً . . تذكرَ سيرَهُ الوئيد في ساحة المدرسة ، وكيف اضطرب حين رآهُ في سيارة الشحن . ابتعد عن مكان العمل ، وتبينهُ وهو ينزلُ من السيارة ببطءٍ . ثم وهو يحملُ رفشه ويبدأ برفع الأنقاض . 

وجدَ نفسَهُ فجأة يغازل العصا . ضربة عنيفة واحدة وينتهي الأمر . لمس طرفَها فأحس بها ثقيلة قوية . لا أحدَ في هذا الامتداد الشاسع والسفينة مضت إلى حيث لا يعلم . ضربة واحدة وينتهي كلُ شيءٍ . المخاوفُ والأزعاج . ضربة واحدة وتنتقم لآلامك ، لذلك البؤس الذي انبتك فيه شجرة ملعونة . ولمسَ العصا ، وحدق في العجوز الذي بدا إنه اكتشف مغاصتهُ القديمة ، دعه يكشفُ قبرَهُ ، أما شبع من عصرِ ماءِ الحياة ؟ وابتسم وأشار إليه وتلاقت نظراتهما . وإذا به يرى المجاهل القديمة وبيوت السعف المنتشرة كالرمال والسواعد السمراء والأجسامَ الهزيلة وأدوات الكي والدور والصواري الدامية . . 

ارتعشتْ يدُهُ . 

- أتريدُ أن تقتلني ؟ !

أحس بيدهِ تضغطُ على رقبته ، وشعرَ بألم عميق يحرقُ جوفَهُ . وبرقت العريضة التي لم يوقعها في بالهِ وفكر بأن قتل العجوز لن يحل مشكلته ، بل إن لا يتسطيع أن يرفع عينيه في وجهه . 

- كيف تصورتَ ذلك يا أبي ؟

- ولكن هذه النظرات . . وهذا السكون الغريب . . إذا كنتَ تريد أن تتخلصَ مني فالأمر بسيط ، ولكن لماذا ؟

- لا تتخيلْ أشياءَ وهمية . . إنني فقط كنتُ أتحسسُ العصا .

- منذ زمن طويل وأنت تريدُ أن تتخلصَ مني .

- كيف اتخلصُ منك وأنت . . ؟

- هذا ما كنتُ ألاحظهُ . أولادك تبعدهم عني ، وأنت لا تقل لي كلمة واحدة ، بل تتذمرُ وتتشكى من وجودي ، هل حسبتني ميتاً أو مجنوناً !

أوقفَ المحركَ فسار القاربُ قليلاً ثم سكن فوق الماء . ذاتب الشريطُ الأبيض الخلفي في الأزرق . . وتدلتْ الشمسُ فوق الأفق وكأنها غطستْ في اليم فاشتعل . . وسمعَ صوتَ طائرٍ كئيبٍ إلا أنه لم يجدهُ . وأبصلا المغاصة القديمة وهي تتوهجُ بضوءٍ أحمر بهيجٍ . . 

  3                                  

أنتفضَ العجوزُ فجأة وقال : 

- دع ذلك الآن وانظرْ عالمنا . هنا وقفنا آخر مرة لم نجد سوى لآلئ صغيرة . . وكان (النوخذا) يعرفُ أثمانها جيداً . . وتساقط الرجالُ تعبين مشرحين . إنهم لا يستطيعون أن ينقذوه من الدين ، من بيع السفينة ، وتطلع النوخذا إلينا غاضباً ، ونظر إلى الموج بحنق . نحن أيضاً مكبلون بالديون والبحر والسفينة .  وتناول سوطـَهُ وظل يلسع الأجسادَ العارية . اندفع صراخُهُ ، وكنا منهارين من التعب والألم، وانتفض سوطهُ فوق وجوهنا وكنا صامتين ساكنين . . 

سكت وتناولَ سيجارة من علبتهِ ، رآهُ يعودُ إلى هدوئهِ ، ولاحت منه إطلالاتُ فرحٍ غامضٍ ن فميا كانت الشمسُ تغوصُ وراءَ الأفق ، والظلامُ ينتشرُ في الماءِ والسماء .

طالعَ وجهَهُ وأضواءُ الغروب تكفنهُ فدهشَ لأنه نسي إن هذا الرجلَ قد أخرج لآلئ كثيرة مجهولة ، وأشاد بيوتاً عديدة ، وشق طرقاً . . ولكنهُ سيمضي بعد حينٍ دون أن يأبه به أحدٌ ، بل أن الفرحَ سوف يغمرُ قلبَهُ ، وسينظفُ حجرته الوسخة الكئيبة ويعدها كي تكون متجراً لائقاً .

وسمعهُ يسعلُ بشدةٍ ويبصقُ في الماء وبدا كما لو أنهُ نسي المغاصة وأخذ يحلمُ بزجاجةٍ رائعةٍ تنسيه الشقاءَ وتجعلهُ يضحكُ بسرورٍ يطفحُ من القلب . اقترب منه وأحسَّ فجأة أن هذا الرجلَ . . أبوه . هذا الإنسان المعروق ليس شبحاً ، وأضاءت السيجارة عينهي فرأى  الهدوء فيهما . هذا الإنسان المطحون ليس خائفاً . ولمستْ يدُهُ شيئاً بارداً فتذكر الأصحابَ والرحلة والرمل والأإاني والنار . . لكنه أدرك إنه لن يذهب . سيبقى حتى يضحك العجوزُ ضحكته الأخيرة . 

- وصرخ النوخذا (هيا انهضوا! ) واستمر سوطهُ في لسع الظهور والأكتاف ، ولكن فجأة انتزع أحدنا السوط . كاد النوخذا أن يسقط . قذف السوط في البحر . غضب بشدة واتجه إلى صندوقه . انتبه الرجالُ إلى الخطر . كنتُ قريباً ورأيتُ وجهه الساخط الأعمى يبحثُ عن مسدسه . اندفعتُ إليه وضربتهُ فوق يدَه . أحاط به الرجالل . قذفتُ مسسده في البحر . إن مسدسه غريب جداً ، وأظنُ إنه لا بد أن يلمع حتى بعد مرور هذه السنين ! 

ابتسم وراح يحدقُ في الماء المظلم ولكن لا شيء في هذه البقعة التي استلت الشمسُ روحَها . ترددتْ أوصاتٌ مبهمة فيها ، ولم يبق سوى البحر يسيرُ دائباً وقد أخذ يطلقُ حرارته الدفينة في الجو . 

تعجب من البحث المضحك عن ضوءٍ في الأعماق ، وتذكر الورقة التي القاها أحدُ المعلمين تحت ناظريهِ. رأى اسماء عديدة ، وقرأ سطوراً ملتهبة ، لكنه أبعدها . أنكمش حول دفاتره ومضى مبلبل الفكر . . وفجأة لمع ضوءٌ في القاع كأنه يسخرُ منه . تطلع غليه الزملاءُ ، فأحس بعرقٍ يلهبُ جلدَه ، ثم أخذ كتاباً وخرج من الحجرة . 

تلمس عَرقاً ينمو فوق جبهته ، وأبصر أباهُ متمدداً بارتياح في مكانه ، وكأنه امتلك البحر ، ووجد مسافة كبيرة تفصله عنه ، ونما العرقُ في جسدهِ وطالع القسوة الواعية تنتصبُ أمامه بعيونها الماكرة ، شعر بالرغبة في البكاء ، وأبصر صدر أبيه مفتوحاً للنسائم البخيلة ، ووشوشت الأمواجُ صدرَ القارب وقالت شيئاً مؤلماً .

وتلمستْ يدَهُ شيئاً بارداً يميلُ للفتور ، فدسها في السطل وتذكر الرحلة المشنوقة والأصحاب والمدرسة والصغار والظلامَ والرعدَ والمطر وأعقاب السجائر والمسدس المتكلس في الأعماق ، فأخرج علبتين وشعر ببرودتهما وسمع استياءهما ، فنظر إلى أبيه الصامت وهز العلبتين قليلاً قليلاً ثم فتحهما بحنو.. تطلع إليه بدهشةٍ . هل سيعنفهُ كما كان يفعلُ سابقاً ؟ ابتسم ، فقال له :

- ما رأيك أن نشربَ معاً يا أبي ؟ 

7/11/1978

معتقل سافرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 2 – الرمل والياسمين «قصص»، 1982.


❖ «القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرض والسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء –لعبة الرمل– الأحجار– العرائس – الماء والدخان».

المقالات العامة





العناوين المميّزة

مرحبًا أيها العالم! سيرة الملعون

  قوة الكلمة لا تأتي قوة الكلمة من شقشقة اللغة، والتلاعب بالألفاظ، وترفيع المؤدلجين الكذابين، وتغييب الكتاب الحقيقيين، بل من التعبير عن المع...