الجمعة، 29 أغسطس 2025

العوسج ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة

   سأموتُ هنا ، قاتلاً ومقتولاً وغريباً . بعيدٌ ذاك الظل والماء المتدفق في عروق الأرض، وضحكات الجيران والغرفة الأثيرة والموسيقى والزجاجات . تدفقْ أيها الدمُ وذكرني بكل الألم . أخرجْ مني ، ولوني بصفرة التراب . ليتني شيءٌ من العذاب الرقيق وبعضٌ من الموسيقى الخافتة ، وتثاؤب السحاب في المساءِ الباردة ، ليتني لم أغادرْ بيتي ! ليتني صعلوكٌ متشردٌ ، وليت الأماني الساحرة الضبابية لم تسكن منزلي . ليت الأيامَ الخوالي ترجعُ لي ، سأقايضها بكل ما أمتلك . جاءت الرصاصة واستقرتْ في صدري . تركوني ومضوا يفحصون التلال ، كان كلُ شيءٍ هادئاً في البرية ، لم يكن ثمة أشرار أو لصوص أو صعاليك. تطاير الحصى من تحت سنابك الخيل وانتشرت الضحكاتُ والزهرات البرية والقبراتُ ونتفُ الغيومِ الربيعية ، وغدتْ الأرضُ المترامية في قبضة البصر، وكأن كلَ البشر تحت رحمة بنادقنا. . وفجأة بانت شجرة العوسج الكئيبة كبصقة الشيطان، وأحاطتنا التلالُ كعصابةٍ من العمالقة . أنشق الهدوءُ في لحظةٍ ، ودوى صوتٌ مألوفٌ وانفجر الألمُ في روحي . نصلٌ حادٌ مسمومٌ يتحسسُ جلدي ، أشربُ برودته ومرارته . وأحسُ به يتوغلُ في عروقي ، كبرقٍ يشعلُ أوردتي الجافة ، ويوقدني . . من سيدثرني هنا ؟ الريحُ خافة ، والرملُ باردٌ كأيامي الناضبة ، والشمسُ طفلة مريضة بين الحياة والموت ، والتلالُ شواهدٌ لقبرٍ هائل ، والسماءُ الزرقاءُ وجهٌ غريب ينتظر موتي ليضحك بملْ القلب . . وشجرة العوسجِ كغدر الزمان ، سأضحكُ وأضحك وأنسى شجرة الرمان ، بعيداً عن الحارة العتيقة ، بعيداً . . اطاردُ أصدقاءها وأعدائي ، ليس ثم أمل لهم الآن . لأنسَ الألمَ لحظة . ترنحَ الهدوءُ وترنحتُ ، وطالعوني وطالعني بأسى . هذا الوجهُ الصديقُ تحولَ في وقت الافتراق . كأنه أدرك أن لا لقاء بعد الصوت البغيض الذي انفجرَ بيننا . أفي هذه الساعة تتركني ؟ حسناً ، إنني لن أبكي ، لن أمدَ يدي . أتقبل هذا المصير البشع وأموتُ هنا هادئاً ، جافاً ، يابساً .

   في تلك الليلةِ الرديئة . . كنتُ قد اختنقتُ . أحاطتْ بي الخطوبُ وتشعبت الدروبُ وانهرتُ في الظلام . وبحثتُ في جيوبي عن قطعة نقدٍ فلم أجد . يا للبرد ! وسرتُ في الطرق وأبصرتُ البيوتَ الكبيرة المتألقة ، وسمعتُ الموسيقى الخافتة ، ودندنة الكؤوسِ وسألتُ نفسي : لم هذه الوريقات التي أحملها ؟ ما فائدة الكلمات لحياتي ولتلك الفتاة ولفقري وجوعي ؟ ودندنتْ الموسيقى وتخيلتُ الغرفَ الواسعة المريحة وخزائنَ الخمر والسيارات الدافئة والمقاعد الوثيرة والحدائق وسمعتُ النساءَ يضحكن فتذكرتُ فراشي العابس . لم ألقيتُ بنفسي في هذا الطريق ؟ إنهم يبحثون عنهم بدأب ، لعلهم ذابوا في الأرض . يبحثون ولا أحد ، ولكن الرصاصة اتخذت مسكنها في جسدي . كم تحمل هذا الجسد منهم ! ورحتُ أزحفُ . أريد الوصولَ إلى الشجرة . سأضع رأسي على جذعها ، واتأملُ الطريقَ والتلالَ والمدينة البعيدة والذكريات السعيدة الأليمة وأحفرُ قبراً للآمال وأحفر قبراً لجسدي وأحفر قبراً . . الأحجار والأشواك تعوقني ، أسمعُ الصيحات وإطلاق النار ، لا أقدرُ على رفع رأسي ، فمي على التراب ، وها قد انهرتُ واسمعُ فورانَ الدم في أعضائي . ها قد سقطتُ والآمالُ حجرٌ وعشبٌ ورمل . سأموتُ هنا غريباً كئيباً قاتلاً ومقتولاً ومقصدي شجرة عوسج ضامرة في البرية كضحكة ساخرة . ترنحتُ هنا وترنح عالمي ، وترابي دامٍ ، والآخرون تركوني لمصيري . . وحدي . . وحدي . . ادخلوا الرصاصة في أحشائي . دخلتُ بكلي في التنور ، سأنصهر وأموتُ . وانقلبتُ ورأيتُ وجه السماء . . كم أنت بعيدٌ أيها البساط الأزرق !

  في تلك الليلة الأليمة خرجتُ متشككاً في كلِ شيء . كانوا قد اجتمعوا تحت شجرة الرمان ، دائرة من الضوء والبهجة . سمعتُ صوتَها الجميل في المطبخ وحين سمعتْ صوتي قذفت بنفسها بلا حساب . أرأيتِ لعبة الأقدار ؟ عيناها في قلبي ، ووجهها القمحي يبذرني ويحصدني . أنت لي ! ولكنني فقير وطريقي محفوفٌ بالصعاب . والشكُ تسلل إلى جذوري اليابسة . أتريدين أن تعيشي في غرفةٍ وحيدة قذرة ؟ لا أملك رصيداً في بنك ، وليس لي إلا غارات وهمية في ممالك الأغنياء . وجلستُ بينهم وأخذتُ مقعدي وأخذتُ حصتي من النقد وأمطروني بالأسئلة . ماذا فعلت يا مالك في الصباح ؟ اقرأُ . ماذا فعلتْ في الليل ؟ سكرتُ قليلاً في أحد الفنادق ثم تشاجرتُ مع أحد المتسكعين . أين كلماتك ؟ لم أستطع أن أكتبَ شيئاً . نمتُ طوال النهار . ألم تجدْ عملاً بعد ؟ ذهبتُ إلى المصنع وانتظرتُ ساعات طويلة . كنا جمعاً غفيراً ينتظرُ ويستعرُ . ليس ثمة عمل هناك إلا لثلة قليلة . لم هذا التسكع المستمر ؟ إنني لا أمتلك الإجابة . وتدلتْ أغصانُ شجرة الرمان قرب رأسي . ورأيتُ ثمرة ناضجة تزهو بلونها القاني . هذا الدم يغلي بيني وبين الأرض . وهذا الأحمرُ لوني فكيف أنسل مني ؟!

   سأزحفُ ، سأزحفُ نحو الجذع . سأضعُ رأسي بعيداً عن التراب والتقطُ نظرة من الطريق والمدينة . هو أملٌ يسيرٌ فأمهلني أيها المصير . لم تعد القصورُ مطمحي ، نظرة تكفي وحفرة صغيرة . لِـمَ هذا التسكع ؟ ! صدقوني إنني لا أعرفُ . في الحارة أحاورُ الناسَ وأكلم الجدران ، وأخلق من غرفتي ملتقى للعابرين الملثمين وأوقدُ النارَ في الليل وأهيم بوجهها ، بسحرها ، وأحسُ أن شيئاً من دمي لم يشتعل . وهذه النقود المضيئة سآخذ شيئاً منها . لا أحد يدري . وفي الغد سأشتغلُ وأردُ الدينَ فمن يدري ؟ 

   هؤلاء الأصدقاء غابوا خلف التلال ، ومزقوا الصمتَ والهدوءَ . حتى هو تركني وذهب، القى نظرة كالفجيعة وانطلق . لا أثر حتى للخيول . وهذا صوتٌ يستعيرُ حنجرة العاصفة . لم يتلاشوا رغم كل الطعنات والقتلى والموتى . في النظرة الأخيرة رأيتُ النهاية والبداية التي حفرتْ لي قبراً . . 

   رأى الطلقة تسكنُ الصدرَ ، وأيقن إنني غدوتُ كالحجر والرمل والأعشاب . آه ، دعوني أهجرُ هذا القبرَ وأبني بيتاً فوق السحاب . ليس ثمة أملٌ لي في الوصولِ حتى إلى هذه الشجرة الشوكية . هذه اللعنة المزروعة كالنصل . تقطعني هذه الآلامُ ، تبذرني . . غير إنني لا أصلح للحصاد .

   تلك الثمرة المتألقة قطفتها بين دهشة الجميع ، وضعتها على الطاولة وفلقتها فتناثرَ حبُها وبلل دمعها القاني بعض الوريقات ونظروا إليّ بدهشة . ما هذا العمل الطفولي ؟ أعذروني إنني أحبُ الأنسَ في غمرة الفعل . وضحكوا . رأيتُ الثمرة تبكي فذكرتني بالزقاق المظلم ورائحة الدم والجوع والزنازين وغرفتي الضيقة وآمالي الواسعة ، وذهلتُ وتساءلتُ : كيف عشتُ العمر لا أملك شيئاً ؟ جميعهم يملكون وأنا أشحذُ لقمتي من الجيران ! لقد كفرتُ بالجوع ! . . رأيتُ الستائرَ تــُزاح والرجالُ يراقصون النساءَ ودندنت الموسيقى وتعالت الوشوشاتُ وتسربت العطورُ إليَّ وأبصرتُ الحديقة الواسعة والكراسي الوثيرة وتعالى نداءٌ من أجلي ، فحدقت في أطماري الرثة وتحسستُ جيوبي الخالية إلا من ورقات محرمة فتسربتُ إلى الظلام مفزوعاً .

   لن أبلغ هذه الشجرة أبداً . ورأيتها تودعني وتبتسم . أنتِ لستِ لي ، أعرفُ هذا . كيف أحببنا بعضنا . إنني مذهولٌ من دسائس الأيام . مرة نلتقي وأخرى ، كلُ مرةٍ أصادف وجهك يفتحُ لي الباب . كل مرة أرى ابتسامتك تحضنني . فصرتُ في حيرةٍ من أمري ، أأنا قادمٌ من أجلك أم من أجل القضية ؟ وألقيتُ برأسي على فراشي ، وقيدني الظلامُ وافترستني الأوهام . لا شيء لدي يا صغيرتي ، لا شيء . . وبكيتُ من همي . هذه الغرفة الضيقة تنهارُ فوقي . وهذه أصابعُ الريبة تبحثُ عن عنقي . كيف سأزيحُ الداء من الأرض وهو كامنٌ في أعماقي ؟ كذبٌ ، كذبٌ ما ادعي . وانهمر العرقُ من جسدي وودتُ لو آكلُ وجهي . ورحتُ أبكي بشدة وأحسستُ بأني اقتربُ من اللحظة التي سأقفزُ فيها . أراها أمامي قاتمة كاللوحة المطفأة . بيني وبين الهوة . . خطوة . لن أدعَ هذا الموتَ يفترسني . سأفترسُ الأشياء .

   ها انذا اقتربُ من الجذع ، لدي قوة كافية تمكنني من إلقاء نظرة ورؤية الأرض في امتدادها تحت البصر ، والسماء في انحنائها فوق التلال والمدينة ، ثمة خط أحمر ورائي ، لقد زحفتُ بجنون لكنني لم أصل بعد .

   آه ، لاتوقف قليلاً وأعب من الهواء وأتلمسُ الأشياء الهاربة من يدي . أين أصدقائي وأعدائي ؟ لعلهم ابتعدوا تماماً عن هذه البقعة . يا الهي ، إن هذا الكونَ قبرٌ كبير وأنا جثة وحيدة ! باردٌ هذا التراب . باردٌ هذا المكان . يا لهول الفقد ! لقد تركني ومضى ، اعتصرني ثم نبذني هنا ، وتلك النظرة المتألمة قناعٌ باردٌ وضعه فوق وجهه . ها هم يسيرون بعيداً عني ، توغلوا في الصحراء وتركوني ! إنني ميتٌ لا محالة ، لا جدوى من الرمل والحجر ، لا جدوى من الأعشاب والزهرات البرية والضحكات العميقة والأصوات النارية . تعالوا إليّ أيها الأصدقاء وضعوا رأسي تحت الشجرة . سألقي نظرة ثم أدفنُ نفسي في الظلام . غابت الحارة وجدرانُ البيوت العتيقة . تلك التي طالما سرتُ فيها . كيف هي الآن ؟ 

   في تلك الليلة الكئيبة ، في ذاك الزقاق ، في الظلام ، ظهرَ شبحٌ . رأيتُ وجهه . إنني أعرفه جيداً . لم يزل يدغدغ شيئاً في نفسي . حين أراهُ ينفجرُ باطني فجأة ، وسرتُ وسرت . وظلت خطواتهُ ورائي ، فكأنه انبثق مني . . وقيدني . وتسربت عفونة كلبٍ ميتٍ ، وحدقتُ بي الأزقة وأحسستُ بالتعب والألم . وطافت ببالي أوراقُ النقدِ الملونة والرحلات المريحة والمراقص والأصفر مالك الأشياء . . وتراخت خطواتي وشعرتُ بالتعب يملأ نفسي ويوقفني ، وأمسكَ يدي .

ـــ لا تخفْ يا مالك .

ـــ ماذا تريد ؟

ـــ أريدك أنت . لم أحضر كي أتتبع خطواتك بل جئتُ من أجلك . جئتُ لإنقاذك . جئتُ لأنير لك الطريق وأحيل الوحل إلى زهر ، لا تجادلني فأنا ألمس يدك الباردة وأصل إلى داخلك .

ـــ . . .

ـــ لا تضعْ الوقت . كل أصدقائك سينتهون في هجمة من هجماتنا . أنت ، أنت وحدك الذي أعطيناك الفرصة فلا تضع الوقت .

ـــ إنني . .

ـــ إنني أنتظرك غداً في منزلي . في المساء . ألبسْ الظلام وتعالْ . .

   المساء ! يا سيدي القمر ابتعد عن ساحة السماء . إنني خائفٌ من نفسي ، مشى العرقُ في طرقاتي  ، وخيلَّ إليَّ إنني في حفرة ، أحفرُ وأحفرُ وأهيلُ الترابَ ثم أنهار فيها . . التفتتُ إلى النوافذ والمصابيح . ما الذي يدفعني إلى هذا الدرب ؟ هي كلماتٌ أنثرها وأملأ يدي . . من سيرى ؟ لا أحد يدري ! وأمضي ، أمضي إليه . رجاءاً أيها القمر لا تفضحني . وأنت أيها المصباح الأصفر لا تنظر إليّ بهذه العين المستطلعة 

ـــ ها قد جئتَ . .

   لو أن أحداً يأتي ، لو أن عصفورة تغرد ، لو أن الأيامَ الغابرة تعودُ ثانية وأنهضُ نحو الحارة ، وأدخلُ بوجهٍ آخر . لن ألبس قناعاً ، بل سأكشف صدري . أفتحه للضوء وأطرد . . لو أن الأشجار تحبو إليّ ، لو أن المنزلَ القديمَ يفتحُ بابَهُ ويدعوني تحت شجرة الرمان . لو أن أهل الحارة . . 

   وأوصدتِ البابَ في وجهي . وتراءى لي أن وجهكِ الرائع مشوبٌ بالغضب . وأنتِ التي . . في الوقت الذي ملكتُ الأشياء فيه . . أبتعدتِ . ولكن كيف هذا ؟ افتحي البابَ ، أفتحي الباب . . إنني ميتٌ خلفه . أفتحيه وخذيني ، موحل اليدينِ ، بارد الشفتين . لم أحضر لكي أقبض على أحد . بل جئتُ إليك . . أفتحي الباب . 

  وحدي في الطريق . إنني فارغ اليدين ، أمتلكُ رملاً وأحجاراً وأعشاباً . ها قد وصلتُ إلى الجذع ، وها قد استقرت الأرضُ تحتي ، بلا سلاح ، بلا أفراح ، والسماءُ انحنت فوقي ، كالجراح ، والتدفق الأحمر نضب .

   لو كان الرملُ رماناً . . ! الأغصانُ لعناتٌ محدقة ، والأشواكُ كالحراب . . آه ، كيف جئتُ إلى هنا ؟ 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 2 – الرمل والياسمين «قصص»، 1982.

❖ «القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرض والسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء –لعبة الرمل– الأحجار– العرائس – الماء والدخان».














المقالات العامة

العناوين المميّزة

مرحبًا أيها العالم! سيرة الملعون

  قوة الكلمة لا تأتي قوة الكلمة من شقشقة اللغة، والتلاعب بالألفاظ، وترفيع المؤدلجين الكذابين، وتغييب الكتاب الحقيقيين، بل من التعبير عن المع...